شرائح من ذاكرة الماء: سيمياء الندبة في ابتسامة بوذا
استهلال: النص بوصفه تجربة وجودية
ثمة نصوص لا تكتفي بأن تُقرأ، بل تتلبّس قارئها وتدفعه إلى اختبار داخلي قاسٍ.
رواية "ابتسامة بوذا: ناديتُ باسمك في الماء" لشريف صالح تنتمي إلى هذا النمط من الكتابة؛ فهي لا تعرض حكاية بقدر ما تفتح جرحًا وتتركه بلا ضماد، مراهنةً على صدق الألم لا على مهارة السرد وحدها.
هنا تؤدي اللغة وظيفة الكشف، وتتحول الكتابة إلى فعل تعرية واعٍ للذات أمام مرآة الواقع.
المشهد المؤسِّس: موت الأم وتوقّف البوصلة
المشهد الافتتاحي للأم المسندة إلى مقود السيارة لا يُقرأ بوصفه حدثًا دراميًا عابرًا، بل لحظة تأسيسية تتكثف فيها دلالة النص بأكمله.
توقّف السيارة بموت الأم يوازي توقّف المعنى في حياة البطل؛ فالأم، بعد هروب الأب، كانت تمثل الاتجاه والقدرة على الاستمرار.
تركُ البطل في المقعد الخلفي يحوّل موقعه إلى استعارة دائمة: شاهدٌ على الحياة، لا فاعل فيها، حاضرٌ بلا قدرة على التقدّم.
الأيقونة والجمال المهدَّد
يحضر استدعاء سعاد حسني ومارلين مونرو بوصفه محاولة للالتجاء إلى جمالٍ لم يستطع العالم حمايته.
ليست الأيقونات هنا زينة ثقافية، بل مرايا لهشاشة مشتركة ونهايات مأساوية متقاربة.
عبر هذه الصور، يحاول البطل ترميم يُتمه، مستعيضًا عن الأم الغائبة بنماذج لجمالٍ جُرح في ذروته، وكأن العزاء الممكن لا يأتي إلا من صورٍ تشاركه نُبل الهزيمة.
ابتسامة بوذا والنداء في الماء
تنهض المفارقة المركزية في الرواية على التباين بين برود ابتسامة بوذا وغليان الذاكرة الإنسانية للبطل.
بوذا، بابتسامته الحجرية، يمثل السكون المتعالي على الرغبة، بينما ينادي البطل في الماء بوصفه فعلًا واعيًا لإعدام الصوت.
النداء هنا ليس انتظارًا لصدى، بل رغبة في التلاشي؛ فالماء عنصر قادر على ابتلاع الصرخة دون أن يعيدها، كأنه رحم بدئي أو مقبرة ناعمة للذاكرة.
الندبة بوصفها هوية
لا يقدّم النص وعدًا بالشفاء أو خلاصًا زائفًا.
على العكس، يعترف بأن الندوب لا تزول، بل تكبر معنا وتغدو جزءًا من تعريفنا لأنفسنا.
البطل لا يصل إلى استنارة بوذية باردة، بل إلى يقين أكثر قسوة وصدقًا: أن الألم مكوّن بنيوي في الوجود الإنساني، وأن التعايش معه هو أقصى ما يمكن بلوغه.
نهاية:
مرثية الذات المعاصرة
في "شرائح من ذاكرة الماء" لا نقرأ رواية عن فرد معزول، بل مرثية للذات الإنسانية المعاصرة، لكل من نادوا بأسماء أحبّتهم في ماء النسيان، ولم يعودوا إلا بصمتٍ ثقيل وابتسامة محايدة تشبه الصفعات الهادئة.
هنا تتجلى قوة النص في تحويل التجربة الشخصية إلى سؤال إنساني عام، يترك القارئ أمام مرآته الخاصة.
زبدة الرؤية النقدية
نجح شريف صالح في تحويل الألم الشخصي إلى أنطولوجيا للفقد، دون ادّعاء أو تزويق فلسفي.
ومع إغلاق الصفحة الأخيرة، لا يبقى السؤال: ماذا حدث للبطل؟ بل: ماذا تبقّى فينا نحن بعد القراءة؟
وهل كنا نقرأ "ابتسامة بوذا"، أم كان بوذا يبتسم لنا ونحن نتعثّر في مرايا ذاكرتنا المائية؟
إحالات مختصرة
● شريف صالح، ابتسامة بوذا: ناديتُ باسمك في الماء، دار الشروق، القاهرة.
● غاستون باشلار، الماء والأحلام، ترجمة عربية.
● بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، فصول مختارة.