قوانين السُّلطة وحيل التعامل الناجح مع الآخرين: 'دي مونتين'

لقد سيطر دي مونتين على مسيرة حياته بقوَّة العقل ومجابهة شتى أنواع المخاوف، ولم تهن عزيمته أو أسلوبه عندما داهمه المرض والأوجاع المؤلمة التي لازمته حتى فارق الحياة.

لا تنفك وسائل الإعلام والكُّتاب، وحتى المعالجين النفسيين، عن التحدث عن استراتيجيات للتعامل الناجح مع الآخرين، واستخدام علم النفس المظلم، وجميعها تنطوي على حيل للتعامل الناجح مع الآخرين بطريقة تحافظ على التفرُّد الذاتي وتضمن السُّلطة والهيمنة. بيد أن الحيل التي تثير الاهتمام أكثر هي تلك التي قد تجعل أضعف الأفراد يبدو وكأنه سيِّدًا وسط أي مجموعة من الأشدَّاء.

ولقد تزايد الاهتمام عالميًا بتلك الحيل النفسية والاجتماعية بعد أن أصدر الكاتب الأميركي روبرت غرين "Robert Greene"، عام 1998، كتابه الشهير جدًا "قوانين السُّلطة الـ48" (The 48 Laws of Power). حقق الكتاب فور صدوره في الولايات المتحدة مبيعات لم يكن يتوقعها الكاتب نفسه؛ فلقد صعد إلى قمَّة قائمة أفضل الكتب مبيعًا. وما لم يكن في حسبان الكاتب أن النجاح نفسه حققه كتابه على الصعيد العالمي أيضًا، لدرجة تهافت دور النشر على ترجمته. لكن الغريب حقًا في الموضوع أن هذا الكتاب منذ لحظة صدوره وحتى الآن لا يزال بمثابة الأب الروحي لكل المستضعفين، والمادة المُربحة لكل كاتب أو صانع محتوى على أي وسيلة إعلامية يسعى لاجتذاب أكبر قدر من المتابعين.

وأهم ما كان يميِّز هذا الكتاب عن غيره من كتب مساعدة الذَّات لغته البسيطة التي تخاطب جميع الفئات وكل الأعمار؛ وذلك لأنه مكتوب بلغة سهلة وبسيطة، وينطوي على حيل قابلة للتطبيق العملي دون أدني تضخيم أو تفخيم، أو ميل للمثالية التي لا تخاطب إلَّا شريحة ضئيلة من المجتمع، ينتمي إليها أولئك الذين يُطلق عليهم اسم المثقفين والذين يودُّون الظهور أمام العموم وكأنهم آلهة.

إلَّا أن المفاجأة الكبرى أن روبرت غرين نفسه لم يستحدث شيئًا جديدًا؛ فكل ما فعله كان أنه قارئ جيِّد للفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين (Michel de Montaigne) (1533-1592) الواجب بالفعل نعته بالكاتب الثوري عن حق؛ والسبب أنه كان أوَّل فيلسوف في القرن السادس عشر يخرج عن المألوف على الإطلاق في كل شيء؛ وكان من أوائل من قاموا بتأليف كتاب شديد الجرأة ينتمي إلى فصيل كتب تنمية الذَّات، في عصر كان السائد فيه تغليف الذَّات بالمظاهر الكاذبة. ولهذا، تحتَّم على الرَّاغبين في الظهور في هيئة الحكيم الذي يتَّبعه الآخرون أن يلتزموا بأسلوب حياة وأسلوب حوار يجعلانهم يبدون وكأنهم طواويس يتبخترون على ظهر الأرض، بينما ينشرون ريشهم الخلَّاب، علمًا بأن نفس الأسلوب لا يزال متَّبعًا منذ ذاك الحين إلى الوقت الحاضر.

عند الحديث عن دي مونتين "de Montaigne"، يجب اعتبار معايير أخرى سواء للفلسفة أو للجرأة التي تفضي إلى السُّلطة. فلقد ولد الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي دي مونتين، الذي يعد من أهم فلاسفة عصر النهضة، لأسرة شديدة الثراء. وأصرّ والده منذ نعومة أظافره أن يجعل ابنه يتلقَّى أفضل ألوان التعليم في ذلك العصر، ومن أجل هذا اتبع خطة رسمها له أحد خبراء العلوم الإنسانية. وكان أول ألوان التعليم الاختلاط بجميع طبقات المجتمع. ولهذا، بعد ميلاده بفترة وجيزة، نقله والده للعيش في كوخ بالقرب من قصره المهيب. وعلى مدار ثلاث سنوات، تولّت رعايته أسرة من الفلّاحين. ومن ثمَّ تعلَّم دي مونتين منذ ذاك الحين الرحمة والهرولة لمساعدة المحتاجين وطالبي العون. وفي نفس الوقت، تعلَّم كيفية التعامل مع جميع الطبقات، ومخاطبة الجميع على قدر عقولهم ومستوى تعاملهم اللغوي. ولقد أثرى ذلك شخصيته، وصنع منه رجل دولة بارزا، حينما عمل في مجال السياسة.

ولم يقف والده عند ذاك الحد، ففور انتقال ولده للعيش معه، عمد إلى تعليمه اللغة اللاتينية بطريقة ثورية؛ لأن أغلب العلوم والكُتب والمخطوطات إبَّان عصر النهضة كانت لا تزال باللغة اللاتينية واليونانية. فلقد جعل اللغة اللاتينية أسلوب حياة؛ فلم يكن يتحدث أمام طفله إلا بها، وكذلك فعلت أمُّه وجميع القائمين على خدمته، الذين انتقاهم والده على أساس إجادتهم للاتينية. وأمَّا اللغة اليونانية، فلقد تعلَّمها الطفل ميشيل بأسلوب تعليمي شديد التطوُّر، لا يزال متبعًا حتى الآن، ألا وهو تعلُّم اللغة عن طريق الألعاب والمحادثة والتدريب. وهذه الخطة التعليمية الحاذقة، كان لها عظيم الأثر على الطفل ميشيل الألمعي؛ حيث أنه استطاع أن ينهى دراسته الجامعية في القانون وهو في سن الثالثة عشرة من عمره.

وبسبب قرب والده من الطبقة الحاكمة، عمل ميشيل رجل القانون مستشارًا في البرلمان الفرنسي، وسرعان ما أصبح من رجال البلاط الملكي إبَّان عهد الملك شارل التاسع "Charle IX". وبسبب ألمعيته وحكمته الشديدة، منحه الملك لقب "نبيل"، إلى جانب منحه أرفع وسام للفروسية، وهو وسام "القديس ميخائيل" Ordre de Saint-Michel تقديرًا لجهوده.

ولقد تولى دي مونتين شؤون البلاد في فترة من القلاقل السياسية التي كان مصدرها الاضطرابات الدينية، واشتهر بعمله كمستشار فائق البراعة في فض المنازعات وإبرام الصلح بين الأطراف المتنازعة. وسبب شهرته التي امتدت إلى العصر الحاضر كتابه الفلسفي الرائع "المقالة" Essais الذي كان له تأثيرً مباشرً في العديد من الحكماء والكتَّاب في العالم الغربي. وبالرغم من أهمية الكتاب، لم يولِه أبناء عصره اهتمامًا يضاهي الاهتمام بشخصه المتَّقد بالحيوية والذكاء، علمًا بأن ذاك المؤلَّف استند إليه العديد من كبار الفلاسفة المؤثِّرين ذوي الأسماء الطنانة، ومنهم الفيلسوف الإنكليزي فرانسيس بيكون Francis Beacon.

وأكثر ما يثير الاهتمام بهذا الكتاب هو اتبَّاع دي مونتين لاستراتيجية السهل الممتنع، وتلك الاستراتيجية نفسها كانت السبب في عدم تبوُّء كتابه مرتبة من الاهتمام، بالرغم من أنه يعد من أوائل المخطوطات المتخصصة في مساعدة الذَّات وعلم النفس الإيجابي. وفاقم الوضع كتابته بأسلوب ولغة ثوريين يحاكيان الطريقة الحديثة في الكتابة؛ فكان يخلط المقالات بالتطرق إلى سرد طرائف ومواقف شخصية، وتغليف كل هذا بالآراء الفلسفية. ومن أهم الانتقادات التي وُجّهت إلى الكتاب هو أنه يسعى إلى تعظِّيم ذات كاتبه، وخاصة وأن دي مونتين كان يكرر "هذا الكتاب يمثلني"، بالرغم من أنه كان يعني أن الكتاب يضاهي أسلوبه وطريقته في الحوار.

المنظور الفلسفي الذي انتهجه دي مونتين بعيد عن الروح المرحة التي تغمر مؤلَّفه، فمنهاجه الفلسفي قوامه "الشكّ"، لكنه أيضًا يلحّ على معرفة الذَّات وقدرها، وعلى الاستخدام العملي للعقل في الحياة اليومية، لكن باعتدال دون مغالاة. وكان يثير حفيظة دي مونتين ما يفعله الفلاسفة؛ سواء من تصدير أحكام وشعارات جامدة، أو من ناحية إحاطة أنفسهم بهالة طاووسية قوامها الغطرسة الفكرية، والتعصُّب والتظاهر بامتلاك صفات حميدة لا تشوبها شائبة. وعلى النقيض، كان دي مونتين يتقبَّل قصور الإنسان، ويدعوه إلى الاحتكام للتجارب العملية، ويجد في الوجود الإنساني فلسفة عميقة؛ ولربما كان ذلك أهم الدوافع التي جعلته يمزج التجربة الشخصية بمنظوره الفلسفي. وكان أيضًا يدعو إلى استحداث نظام تعليم ينمي الحكمة، حتى يتمكَّن الفرد من تأمين حياة كريمة لنفسه. وبسبب امتلاكه تصورًا واضحًا لمشكلة توجيه الإنسان لذاته (self-orientation)؛ أي مهمة التكيُّف مع الظروف المحيطة، في غياب وجود نقاط دعم ثابتة، رأى أن الإنسان يجب أن يصير البوصلة التي توجه ذاته نحو التكيُّف مع كافة الظروف بنجاح. ولهذا، تم ونعته بأنه أوَّل من اشتبك مع تيار الحداثة.

ومن أهم المبادئ التي استند إليها في كتابه "المقالة" هو إبراز أهمية البهجة التي يعتبرها دي مونتين من أبرز علامات الحكمة؛ فالمرء في حاجة إلى تنمية استقلال الذَّات وفهمها، حتى يبلغ أسمى غاية، ألا وهي التفرُّد وحب الذات بطريقة صحيحة، تماما كما ينصح حاليًا المعالجون النفسيون وصنَّاع المحتوى. ويرى دي مونتين أهمية ألَّا يلقي الفرد بالًا لمنزلته في قلوب الآخرين، فما يجب أن يصير محل اهتمامه هو "ذاته" نفسها وقدرته على الاهتمام بمنزلته عند نفسه.

وبذلك الابتهاج، يدعو الفرد إلى التخلص من مخاوفه؛ لأنها ستصير سببًا مباشرًا لتعاسته. وعوضًا عن ذلك، ينبغي على المرء مجابهة المخاوف واحتضانها كي يتغلب عليها، وتصبح تحت سيطرته الكاملة. وبما أن الأزمات تحيط بالإنسان من كل جانب، فقد تسعى الأفكار الخبيثة له، مما قد يصيبه بالاكتناب. لكن الوصفة الطبية العلاجية لتلك المعضلة مبدأ بسيط اتبعه؛ فيقول: "عندما تهاجمني الأفكار الكئيبة، لا شيء يُريحني أكثر من اللجوء إلى كتبي، فهي تستحوذ عليّ بسرعة وتُبدد الغيوم من ذهني". وتلك هي وصفة أكيدة للخروج من أعتى أنواع الاكتئاب.

لقد سيطر دي مونتين على مسيرة حياته بقوَّة العقل ومجابهة شتى أنواع المخاوف، ولم تهن عزيمته أو أسلوبه عندما داهمه المرض والأوجاع المؤلمة التي لازمته حتى فارق الحياة. ومن أشد المعجبين بدي مونتين هو الكاتب الأميركي روبرت غرين؛ فقوانين السلطة لا يمكن تنفيذها إلَّا بالاعتزاز بالذَّات، والشعور بالتفرُّد، وإيجاد الشجاعة الكافية لمجابهة أي فرد، وكذلك المحافظة على الاستقلالية عندما يشتد تيار المقاومة، وعدم الذوبان في غمار أي تيَّار سائد مهما كانت المغريات، أو حتى العواقب. فأهم شيء لديه هو اكتشاف الأوجه المختلفة لنفسه وامتلاك الشجاعة لإبرازها. وتوكيدًا على ذلك، يردد دي مونتين "إذا تحدثت عن نفسي بطرق مختلفة، فذلك لأني أنظر إلى نفسي بطرق مختلفة".