25 يناير عيد للشرطة أم للثورة في مصر
القاهرة – تحولت ذكرى 25 يناير/ كانون الثاني في مصر إلى مجال للشد والجذب بين قطاعات عريضة من المواطنين. دخلت عليها الحكومة بانتصارها للفريق الأول، الذي يرى أن الاحتفال بهذا اليوم باعتباره عيد الشرطة التي واجهت بقوة الاستعمار الإنكليزي عام 1952، بينما يرى الفريق الثاني أن الاحتفال يأتي بمناسبة اندلاع ثورة شعبية عام 2011 ضد نظام الرئيس حسني مبارك وإجباره على التخلي عن السلطة.
في كل عام، أصبح هذا اليوم ساحة للنقاش والخلاف والصخب بين الفريقين. وأخفق الدستور، الذي يعترف بهذا اليوم عيدًا للشرطة وللثورة أيضًا، في وقف الاستقطاب الحاد الذي يتجدد قبيل هذا اليوم وبعده. وهناك من أصرّوا على حصره في مناسبة واحدة فقط. ولأن شرارة الثورة اندلعت بسبب ما وُصف في حينه بـ"ظلم الشرطة"، لا يوجد مجال للتوافق أو التفاهم بينهما، ولن يتوقف التباين. فكلاهما يملك قناعات مختلفة عن الآخر، تصل حد توجيه الاتهامات والنعت بصفات لا يقرها القانون.
أسهم انحياز بعض الجهات الرسمية إلى عيد الشرطة في ظهور فرز سياسي، ويوضع المنحازون إليه كعيد للثورة في مربع "الخونة"، في ظل عملية غسيل منظمة للعقل الجمعي تستهدف النيل من الثورة ومن نادوا بها وشاركوا فيها وأبدوا تعاطفًا معها.
لعبت التداعيات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية دورًا مهمًا في تعطيل المسار الإيجابي للدولة لبعض الوقت. وتمكنت جماعة الإخوان المسلمين من القفز على السلطة لمدة عام، إلى أن نجح المواطنون في القيام بثورة عليها، حتى سقط حكمها في مصر، وتعرضت لضربات قاسية في بلدان أخرى.
لا يريد المؤيدون للثورة الرضوخ لهذه السردية، ويعتقدون أن اختطاف الإخوان لها هو من قبيل قدرة الجماعة على الحشد التنظيمي، وليس من باب تخوين من شاركوا فيها. فالأوضاع عام 2011 كانت مليئة بالتناقضات والمؤامرات والإخفاقات، ولا أحد كان يعلم جيدًا نوايا الإخوان البغيضة، حيث تسللت الجماعة إلى صفوف الجماهير والنخبة وفرضت رؤيتها، مستفيدة من سيولة سياسية وأمنية ضربت البلاد وقتها.
يكشف التقسيم إلى مؤيدي الشرطة أو الثورة عن فجوة كبيرة في المجتمع المصري. ويطلق كل فريق رؤاه من باب التوجهات السياسية، للدرجة التي يُقال فيها إن مؤيدي الشرطة أكثر وطنية، ومؤيدي الثورة أشبه بـ"عملاء" يجب اجتثاثهم، بزعم أنهم يمثلون خطرًا على الدولة ومؤسساتها الرئيسية.
يُستخدم هذا اليوم في ضخ المزيد من التراشقات بين فريقين، من المفترض أن ما يجمعهما شكليًا أكثر مما يفرقهما عمليًا. فالقاعدة الوطنية يمكنها أن تستوعب الجميع. وهذا اليوم اتُّخذ عيدًا للشرطة لما أبداه أفرادها من بسالة في مواجهة قوات الاستعمار، واتُّخذ عيدًا للثورة لأنها أسقطت نظامًا ديكتاتوريًا. وكلاهما يريد حياة أفضل لكل المصريين، والتخلص من الظلم والفساد والاستعباد.
يبدو الخلاف بين الجانبين مفتعلًا في كثير من جوانبه، ويعبّر عن رؤية أحادية، ويحقق مصلحة سياسية لأحدهما، ما جعل أنصار كل فريق يتشبثون بموقفهم ولا يريدون التخلي عنه في تأييد أو نفي الآخر. حتى صار هذا اليوم أشبه بـ"بازار سياسي" يحاول فيه كل طرف تعزيز مركزيته في الحياة السياسية، ويقدم كل المسوغات التي تمكّنه من تثبيت روايته على حساب الرواية المقابلة.
يستخدم مؤيدو الشرطة فزاعة جماعة الإخوان وصعودها المفاجئ في خضم ثورة يناير/كانون الثاني، وما قامت به تاليًا من تصرفات وأعمال إرهابية، ثم ما توافر من أمن في ربوع البلاد للتدليل على حكمة النظام الذي جاء عقب سقوط الإخوان.
ويستخدم مؤيدو الثورة كلًا من الأزمة الاقتصادية والانسداد السياسي وسيلة للتقليل من حجم الإنجازات، وأن إساءة جماعة الإخوان للسلطة لا يجب أن تفضي إلى التشكيك في الأهداف النبيلة للثورة، إذ سعت إلى توفير العدالة والكرامة والمساواة لكل المصريين، ومنع أخطاء ارتُكبت لسوء تقديرات من تولوا زمام السلطة في ذلك الوقت.
يشير اتساع الهوة بين الفريقين إلى صعوبة التلاقي عند نقطة وسط. وما حاولت القيام به ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 للجمع بين مؤيدي الثورتين لم يحقق أغراضه السياسية، بعد أن قام النظام الحاكم الذي جاء بعد هذه الثورة بتهميش غالبية مؤيدي ثورة يناير/كانون الثاني، ومنح من تخلوا عنها أو خوّنوا من شاركوا فيها مزايا نوعية.
زاد من حالة الاستقطاب أن مؤيدي الثورة انحسروا كثيرًا في المجال العام، وتحولوا إلى أفراد متناثرين لا يمثلون كتلة سياسية واحدة، وتعرض نفر ممن تمسكوا بقيم الثورة وخاصموا قيم الشرطة الصارمة لكثير من التهميش.
ظهرت تجليات الانحياز الحكومي في اعتبار يوم 25 يناير/كانون الثاني إجازة رسمية للعاملين بحسبانه عيدًا للشرطة، بعد أن كان الاحتفال في السنوات الأولى للثورة عيدًا لها على حساب الشرطة. وعزّز التحول في الخطاب الرسمي والاحتفاء بالشرطة فقط من دحض كثير من القيم التي استهدفتها الثورة، لقطع الطريق على كل من تسوّل له نفسه التفكير في ثورة على نظام الحكم. ولا تزال مفردات العمالة والخيانة والتآمر تتردد في وسائل الإعلام لمن يسعى للاحتفال بالثورة، والتي يكاد أثرها يقتصر على ما يُنشر في بعض مواقع التواصل الاجتماعي من حين لآخر.
يُعدّ التشويش على الثورة هدفًا للفئة المؤيدة للشرطة، والتي لا تريد تكرار مشاهدها في الواقع أو العالم الافتراضي. وتمثل جرحًا غائرًا لجهاز الشرطة، حيث تعرض إلى نكسة أمنية خطيرة في أيام الثورة. ولا أحد من داعمي الشرطة أو خصومها يسعى إلى إعادة هذه الأيام الحزينة، لأن كسر شوكتها وبال على غالبية المصريين بعد افتقادهم للأمن، ومحاولة توفيره لأنفسهم عبر جماعات شعبية تتحلى بقدر من الانضباط.
ترى شريحة من المصريين ضرورة التخلص من التباين بين الشرطة والثورة، والبحث عن المساحة المشتركة بينهما، الكامنة في احترام الوطن والعمل على تحقيق العدالة والمساواة وحفظ كرامة الإنسان. وتبدو هذه المعادلة منطقية، لأنها تعود إلى الهدف الأصلي الذي سعى الضباط إلى تحقيقه في مواجهة الإنكليز، والهدف المركزي الذي أرادته الثورة الشعبية.
يتسبب العزف على وتر التباعد بينهما في استمرار إشكالية وهمية، يستفيد منها بعض المتاجرين بالسياسة، ومن يعملون على ترسيخ قصة معينة لاستمرار فجوة يمكن بسهولة سد ثغراتها إذا حَسُنت نوايا كل طرف. وبات الفضاء العام ساحة مفتوحة لممارسة حرية محكومة بالقوانين، وليس بأهواء سياسية أو حسابات مجتمعية ضيقة.