مقامرة ترامب النفطية في فنزويلا: ماذا يعني ذلك لأوبك؟
أحدث اعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو على يد القوات الأميركية في يناير/كانون الثاني 2026 هزة زلزالية في مشهد الطاقة العالمي. وبينما تصوّر واشنطن هذه العملية كخطوة نحو الاستقرار، فإن الواقع يشير إلى "مقامرة نفطية" محسوبة؛ حيث لم تُخفِ إدارة الرئيس دونالد ترامب رغبتها في "إدارة" فنزويلا وبيع نفطها عالميًا. إن هذا التحول الهجومي في السيطرة على الموارد ليس مجرد نزاع إقليمي، بل هو هجوم مباشر على منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) والتوازن الدقيق لسوق النفط العالمي.
استراتيجية السيطرة المباشرة
تتبنّى إدارة ترامب سياسة التدخل المباشر، حيث صرّح وزير الطاقة الأميركي كريس رايت مؤخرًا بأن الولايات المتحدة تعتزم الإشراف على إنتاج النفط الفنزويلي "إلى أجل غير مسمى". ومن خلال استغلال نفوذها العسكري والسياسي، تهدف واشنطن إلى إحياء قطاع يمتلك أكبر احتياطيات مؤكدة في العالم، والتي تتجاوز 300 مليار برميل.
يمثل هذا بالنسبة لأوبك سيناريو كابوسيا؛ فقد كانت فنزويلا تاريخيًا عضوًا مؤسسًا وشريكًا موثوقًا في جهود الكارتل لإدارة الأسعار عبر حصص الإنتاج. وإذا سيطرت الولايات المتحدة عمليًا على قرارات التنقيب في كاراكاس، فإن الآلية التي تستخدمها أوبك لتحقيق استقرار السوق ستتعرض للانهيار.
منافس جديد في نصف الكرة الغربي
تُعدّ الولايات المتحدة بالفعل منتجًا رئيسيًا بفضل ثورة النفط الصخري، وبإضافة الخام الفنزويلي الثقيل إلى دائرة نفوذها، تخلق واشنطن مركزًا ضخمًا للإنتاج في نصف الكرة الغربي.
تمييع السوق: تنتج فنزويلا حاليًا حوالي 900 ألف برميل يوميًا. وإذا أدى الاستثمار الأميركي إلى رفع هذا الإنتاج إلى 2 أو 3 ملايين برميل، فسيواجه السوق العالمي وفرة هائلة في المعروض.
كبح الأسعار: أعرب الرئيس ترامب عن رغبته في وصول أسعار النفط إلى 50 دولارًا للبرميل. ومن شأن هذا المستوى السعري المنخفض أن يستنزف الميزانيات الوطنية لأعضاء أوبك مثل السعودية والعراق والإمارات، التي تتطلب اقتصاداتها أسعارًا أعلى بكثير للحفاظ على استقرارها.
نهاية نظام الحصص: إذا تجاهلت فنزويلا –تحت النفوذ الأميركي– قيود إنتاج أوبك، فقد يجد الأعضاء الآخرون أنفسهم مضطرين لتجاهل حصصهم أيضًا، مما قد يؤدي إلى حالة من "الفوضى الإنتاجية" تنهي نفوذ المنظمة تمامًا.
الاحتكاك الجيوسياسي: عامل روسيا والصين
تستهدف مقامرة ترامب أيضًا الروابط الجيوسياسية التي بنتها فنزويلا على مدار العقدين الماضيين؛ ففي عهد مادورو، وجّهت فنزويلا صادراتها من الطاقة نحو الصين وروسيا لتجاوز العقوبات الأميركية. وتشير التقارير الأخيرة إلى أن القوات الأميركية ضبطت بالفعل ناقلات نفط، بما في ذلك ناقلات ترفع العلم الروسي، لفرض حصار بحري جديد.
إن "دبلوماسية الطاقة" بالقوة تهدد بقطع وصول الصين إلى مورد رئيسي، كما تضع الولايات المتحدة في منافسة مباشرة مع أنواع النفط الروسي المشابهة للخام الفنزويلي الثقيل. وباستخدام إغراق السوق بالنفط الفنزويلي، تستخدم الولايات المتحدة الطاقة كسلاح فعلي لمعاقبة الخصوم ومكافأة الحلفاء.
استخدام القوة العسكرية الأميركية المباشرة
إن استخدام القوة العسكرية الأميركية المباشرة للسيطرة على أصول الطاقة في أميركا اللاتينية هو تحرك غير مسبوق يتحدى القانون البحري الدولي وحقوق السيادة.
تحديات "النصر السريع"
على الرغم من الخطابات القوية، تواجه المقامرة الأميركية عقبات هائلة؛ فالبنية التحتية النفطية في فنزويلا تعاني من التحلل، حيث خلّفت عقود من سوء الإدارة والعقوبات المصافي وخطوط الأنابيب في حالة دمار. ويشير الخبراء إلى أن الأمر سيتطلب مليارات الدولارات وسنوات عديدة لتحقيق زيادة ملموسة في الإنتاج.
علاوة على ذلك، تبدي شركات النفط الأميركية الكبرى حذرًا شديدًا، فهي تستحضر تاريخ التأميم في فنزويلا. ودون إطار قانوني طويل الأمد وضمانات أمنية قصوى، قد تتباطأ شركات مثل شيفرون وإكسون موبيل في ضخ رؤوس الأموال اللازمة.
التهديد المالي لأوبك بلس
إذا نجحت الولايات المتحدة في ضخ مليون برميل إضافي في السوق، سيكون الضغط على أوبك بلس هائلًا. ولمنع الأسعار من الانهيار، سيتعين على السعودية وحلفائها تعميق تخفيضات الإنتاج الخاصة بهم. وبشكل جوهري، ستخسر أوبك حصتها في السوق، بينما تكتسبها الولايات المتحدة باستخدام الموارد الفنزويلية.
سعر التعادل المقدر لعام 2026 | الدولة
80 – 85 دولار | المملكة العربية السعودية
65 – 70 دولار | الإمارات العربية المتحدة
75 – 80 دولار | العراق
45 – 55 دولار | المستهدف الأميركي (ترامب)
وكما يظهر في الجدول أعلاه، فإن المستهدف السعري الأميركي يقل بكثير عما تحتاجه معظم دول أوبك لموازنة ميزانياتها. وهذه الحرب الاقتصادية قد تؤدي إلى احتكاكات داخلية في المنظمة، حيث يكافح الأعضاء لتمويل مشاريعهم الاجتماعية والبنية التحتية.
إعادة تشكيل النظام العالمي
إن مقامرة ترامب النفطية في فنزويلا هي أكثر من مجرد محاولة لاستقلال الطاقة؛ إنها محاولة لتفكيك نفوذ كتلة الطاقة في الشرق الأوسط. ومن خلال وضع الولايات المتحدة كـ"مشرف" على أكبر احتياطيات في العالم، تسعى واشنطن إلى استبدال القوة التسعيرية لأوبك بقوتها الخاصة.
ومع ذلك، تحمل هذه الاستراتيجية مخاطر جسيمة؛ فهي تزيد من التقلبات الجيوسياسية، وقد تؤدي إلى شرخ دائم مع قوى عالمية كبرى مثل روسيا والصين. وبالنسبة لأوبك، فإن الخيار واضح: إما التكيف مع عالم تسيطر فيه الولايات المتحدة على صنابير إنتاج أعضائها القدامى، أو مواجهة مستقبل من تضاؤل الأهمية في سوق تحكمه القوة بدلًا من التوافق.