تغريدة ترامب وآيات المالكي: حين تتحول السيادة إلى ساحة اختبار
لم تكن تغريدة دونالد ترامب على منصة 'تروث سوشال' مجرد تعليق سياسي عابر، بل جاءت كرسالة خشنة النبرة، واضحة المقاصد، في لحظة عراقية مأزومة تبحث فيها النخبة الحاكمة عن مخارج لأزمة النظام السياسي، لا عن إعادة إنتاجها.
حين كتب ترامب أن واشنطن "سمعت أن العراق قد يتخذ خياراً سيئاً للغاية بإعادة تنصيب نوري المالكي رئيسا للوزراء"، ملوّحاً بأن الولايات المتحدة "لن تساعد العراق مجدداً" إذا تكررت تلك التجربة، فإنه لم يكن يخاطب المالكي وحده، بل كان يخاطب بنية سياسية كاملة ما زالت تراهن على تدوير الوجوه بدل مراجعة المسارات. وصفه لمرحلة المالكي بأنها زمن "الفقر والفوضى" لم يكن توصيفاً خطابياً بقدر ما كان استدعاءً لذاكرة أمريكية ترى في تلك الحقبة نموذجاً لفشل الدولة في احتكار القرار والسلاح معاً.
ولم تقف الرسائل الأميركية عند حدود خطاب ترامب الشعبوي، بل سرعان ما انتقلت إلى القنوات الدبلوماسية الرسمية. فقد حذّر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بغداد من تشكيل حكومة توصف بأنها "موالية لإيران"، مؤكداً في اتصال مع رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني أن واشنطن تتطلع إلى حكومة تجعل العراق "قوة للاستقرار والازدهار والأمن في الشرق الأوسط"، لا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. كما شدد المتحدث باسم الخارجية الأميركية، تومي بيغوت، على أن حكومة تهيمن عليها إيران "لن تستطيع وضع مصالح العراق أولاً، ولن تُبقيه بعيداً عن النزاعات الإقليمية، ولن تعزز شراكة متوازنة مع الولايات المتحدة"، وهو خطاب ينسجم مع تقارير State Department وتحليلات RAND Corporation التي تربط بين هشاشة الدولة العراقية واستمرار اقتصاد السلاح وتعدد مراكز القرار الأمني.
لكن اللافت أن الرد لم يتأخر هذه المرة من بغداد، بل جاء سريعاً ومباشراً على لسان نوري المالكي نفسه. ففي بيان شديد اللهجة، رفض ما وصفه بـ"التدخل الأميركي السافر" في الشؤون الداخلية للعراق، معتبراً أنه "انتهاك صارخ للسيادة الوطنية وتعدٍ غير مقبول على قرار الإطار التنسيقي في اختيار مرشحه لرئاسة الوزراء".
المالكي شدد، عبر تدوينة على منصة إكس، على أن "لغة الحوار هي الخيار السياسي الوحيد بين الدول"، رافضاً ما سماه "لغة الإملاءات والتهديد"، ومؤكداً في الوقت ذاته مضيه في المسار السياسي الحالي احتراماً لـ"الإرادة الوطنية" وقرار الإطار التنسيقي. هذا الرد، الذي جاء بعد ساعات فقط من تغريدة ترامب، لم يكن مجرد دفاع شخصي، بل محاولة لإعادة تأطير الأزمة بوصفها صراعاً بين السيادة الوطنية والضغط الخارجي، لا بين سجل سياسي مثير للجدل ومستقبل دولة مأزومة.
غير أن المفارقة التي تفرض نفسها هنا هي: لماذا صمتت واشنطن حين تولى المالكي رئاسة الحكومة لدورتين كاملتين، رغم أنها كانت صاحبة الدور المركزي في إسقاط النظام السابق عام 2003 وإعادة تشكيل النظام السياسي العراقي؟ الجواب يكمن في منطق "الاستقرار بأي ثمن" الذي حكم السياسة الأميركية بعد انسحاب القوات القتالية عام 2011، حين فضّلت واشنطن، وفق ما تشير إليه تحليلات منشورة في Foreign Affairs وCarnegie Middle East Center، الحفاظ على شريك يمكن التعامل معه حتى لو كان ذلك على حساب التوازن الداخلي وجودة الحكم. لكن هذه المقاربة أفضت إلى نتائج كارثية، إذ ساهمت سياسات الإقصاء، وتسييس المؤسسات الأمنية، وتركيز السلطة، في تفكك العقد الاجتماعي، ومهّدت لانهيار الدولة أمام تنظيم داعش عام 2014، وهو ما اعترفت به لاحقاً تقارير الكونغرس الأميركي ولجان التقييم في وزارة الدفاع الأميركية. من هنا، تبدو لهجة التحذير الحالية وكأنها اعتراف متأخر بخطأ استراتيجي سابق، ومحاولة – ولو جاءت بلغة حادة – لتصحيح المسار.
المشهد هذا لا يقتصر على الضغط الخارجي وحده، بل إن الداخل العراقي نفسه بات يتعامل مع احتمال عودة المالكي بقدر كبير من الريبة. فقبل أيام، كتب وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري أن تسمية أغلبية قادة الإطار التنسيقي للمالكي، وتحديد موعد جلسة البرلمان في 27 يناير/كانون الثاني لانتخاب رئيس الجمهورية، لا تعني بالضرورة أن الأزمة السياسية قد حُسمت، ولا أن ملف الرئاسات الثلاث وتشكيل الحكومة بات مغلقاً. قراءة زيباري لا تنطلق من تشاؤم إعلامي، بل من خبرة طويلة بطبيعة النظام السياسي العراقي، حيث لا تكفي الأرقام ولا التفاهمات الأولية لحسم الاستحقاقات الكبرى، وغالباً ما تُعاد صياغة القرارات المفصلية في اللحظات الأخيرة تحت تأثير ضغوط داخلية وخارجية تجعل "اليقين السياسي" حالة نادرة. حديثه عن أن الأيام المقبلة "حبلى بالمفاجآت والانعطافات" يعكس إدراكاً بأن المسار الحالي قد لا يصمد أمام ثقل الرسائل الأميركية، والانقسامات داخل الإطار التنسيقي ذاته، وتعقيدات انتخاب رئيس الجمهورية وما يرافقها من صراع على توازنات السلطة داخل الدولة.
وهنا تحديداً تبرز أزمة الإطار التنسيقي من الداخل. فالمعلومات المتداولة عن أن استبعاد المالكي جاء أيضاً بتنسيق أو قبول ضمني من أطراف داخل الإطار ذاته تكشف عمق التصدعات داخل البيت الشيعي، حيث لم يعد الصراع مقتصراً على التنافس مع الخصوم، بل بات يدور داخل المعسكر الواحد.
مراقبون يرون أن جزءاً من هذا التحول يرتبط بإدراك متزايد لدى بعض قوى الإطار بأن إعادة تدوير المالكي تعني عملياً إعادة فتح ملفات العزلة الدولية، والضغط الاقتصادي، وتعقيد العلاقة مع واشنطن، في لحظة تحتاج فيها بغداد إلى استقرار مالي وسياسي أكثر مما تحتاج إلى معارك رمزية. هنا يتحول المالكي من مرشح سياسي إلى رمز مرحلة، ومثلما تُستبعد المراحل في التاريخ، تُستبعد الرموز التي ارتبطت بها، لا بالضرورة لذاتها، بل لما تمثله في الذاكرة السياسية العراقية والدولية.
في خلفية هذا كله، تقف رسائل واشنطن غير المعلنة بوضوحها الضمني. فمصادر سياسية عراقية تؤكد أن الولايات المتحدة نقلت لبغداد أنها "تستذكر فترة حكومات المالكي بصورة سلبية"، مع التشديد في الوقت نفسه على أن اختيار رئيس الوزراء "قرار سيادي عراقي"، لكنها تحتفظ بحق اتخاذ قراراتها السيادية تجاه الحكومة المقبلة بما ينسجم مع مصالحها. هذه اللغة الدبلوماسية المتوازنة تخفي وراءها أدوات نفوذ واضحة، أبرزها أن عائدات النفط العراقي ما زالت تُودع في الاحتياطي الفدرالي في نيويورك بموجب ترتيبات ما بعد 2003، وهو ما يمنح واشنطن قدرة غير مباشرة على التأثير في الاستقرار المالي للعراق، كما تشير تقارير IMF وWorld Bank. كما أن من أبرز مطالبها الحد من نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من إيران.
منذ أشهر، وعلى لسان مسؤولين أميركيين، تتكرر عبارة أن واشنطن جادة في دعم بناء عراق "خالي من الميليشيات"، أو على الأقل دولة يكون فيها السلاح محصوراً بيد المؤسسات الرسمية. هذا الخطاب ينسجم مع تقارير US Institute of Peace التي تربط بين استعادة الدولة لاحتكار العنف الشرعي وبين إمكانية تحقيق استقرار سياسي واقتصادي طويل الأمد.
غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل تسعى الولايات المتحدة فعلاً إلى بناء دولة عراقية قوية ومستقلة، أم إلى إعادة ترتيب شبكة شركائها المحليين بما يضمن مصالحها الاستراتيجية في مواجهة إيران؟ في الحالتين، تبدو الرسالة واحدة للنخب العراقية: لم يعد مقبولا دولياً إنتاج حكومة تُدار من خارج الدولة، أو تُختزل سيادتها في تفاهمات موازية مع قوى مسلحة.
في المحصلة، لم تعد قضية المالكي قضية شخص يسعى إلى ولاية جديدة، بل باتت عنواناً لصراع أوسع بين نموذجين للحكم: نموذج الدولة المؤسسية ذات القرار الواحد، ونموذج السلطة التوافقية الهشّة التي تتغذى على موازين القوة لا على القانون.
تغريدة ترامب، وتحذيرات روبيو، ورسائل الخارجية الأميركية، وردّ المالكي السيادي، وتحذير زيباري من الداخل، كلها لا تُقرأ بوصفها مواقف متفرقة، بل باعتبارها مؤشرات على لحظة سياسية دقيقة يمر بها العراق، حيث لم يعد الماضي قادراً على إدارة المستقبل.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثل هذه اللحظة بداية تصحيح لمسار الدولة العراقية نحو سيادة حقيقية ومؤسسات فاعلة، أم أننا أمام فصل جديد من إعادة إنتاج الأزمة بلغة مختلفة ووجوه مختلفة؟