حناجر الكرد تصدح في كاليفورنيا: أوقفوا قتل الأبرياء في روج آفا
في شوارع كاليفورنيا، حيث تتجاور الثقافات وتلتقي أصوات المنفيين بأحلام العدالة، خرجت الجالية الكردية في تظاهرات حاشدة دعماً للشعب الكردي في غربي كردستان (روج آفا – كردستان سوريا)، في مشهد لم يكن مجرد وقفة احتجاجية عابرة، بل تعبيراً أخلاقياً وسياسياً عميقاً عن ذاكرة جماعية مثقلة بالألم، وإصرار متجدد على ألا تُترك المأساة الكردية وحيدة في زوايا النسيان الدولي.
في مدينة سانتياغو بولاية كاليفورنيا، احتشد المئات من أبناء الجالية الكردية رافعين أعلام كردستان ولافتات تطالب بوقف الانتهاكات والاعتداءات التي يتعرض لها الكرد في سوريا على يد فصائل مسلحة مرتبطة بدمشق، بحسب وصف المحتجين.
ولم تقتصر الرسائل على الإدانة، بل وجّه المتظاهرون نداءً مباشراً إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب مطالبين إياه بالتدخل لوقف الاعتداءات التي يتعرض لها الكرد في روج آفا، والوفاء بالتزامات الولايات المتحدة الأخلاقية والسياسية تجاه شعب كان في طليعة من واجه الإرهاب ودفع أثماناً باهظة دفاعاً عن الإنسانية قبل أن يكون دفاعاً عن أرضه.
اللافت في هذه التظاهرات لم يكن فقط حجم المشاركة، بل طابعها الإنساني المؤثر. حمزة عثمان، الصحفي من أبناء إقليم كردستان وأحد منظمي الوقفة، وقف متحدثاً بصعوبة فيما كان البكاء يقطع كلماته وهو يتساءل أمام الحشود: لماذا ظل الكرد عبر التاريخ هدفاً دائماً للاضطهاد والحروب والخذلان؟ سؤال بسيط في صياغته، لكنه يختصر قرناً كاملاً من المآسي المتراكمة، ومن الإحساس بأن العدالة الدولية كثيراً ما جاءت متأخرة، أو لم تأتِ أبداً.
في المقابل، حرص المتظاهرون على توجيه رسالة امتنان للزعيم الكردي مسعود بارزاني، تقديرا لما وصفوه بمواقفه القومية الرصينة وجهوده المستمرة لتجنيب الكرد في سوريا مخاطر الانزلاق إلى صراعات أوسع، وكذلك لدعم ومساعدات رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، خاصة في ما يتعلق بمساندة أهالي كوباني والمناطق المنكوبة. هذا الامتنان لم يكن بروتوكولياً، بل عكس إدراكاً متزايداً داخل الشارع الكردي في المهجر لأهمية الدور السياسي والإنساني الذي يلعبه إقليم كردستان في حماية الحد الأدنى من التوازن في واحدة من أكثر ساحات الشرق الأوسط هشاشة.
هذه التظاهرات، في جوهرها، ليست مجرد فعل احتجاجي ضد انتهاكات آنية، بل إعادة طرح للقضية الكردية على طاولة الرأي العام الدولي من بوابة القيم الأميركية ذاتها: حقوق الإنسان، وحماية الأقليات، والوفاء للحلفاء. فالكرد في سوريا لم يكونوا فقط ضحايا نزاع داخلي معقّد، بل كانوا أيضاً شركاء رئيسيين في الحرب العالمية ضد تنظيم داعش، وهي حقيقة يعيد المحتجون في كاليفورنيا التذكير بها بإلحاح أخلاقي وسياسي في آن واحد.
في لحظة عالمية تتسم بتراجع الاهتمام الدولي بمناطق الصراع المنسية، تبدو هذه الوقفات بمثابة محاولة لكسر جدار الصمت، وللتأكيد على أن المأساة الكردية ليست شأناً محلياً أو إقليمياً فحسب، بل اختباراً حقيقياً لمصداقية النظام الدولي في حماية من وقفوا في الصفوف الأمامية دفاعاً عن أمنه وقيمه.
وهكذا، لم تكن تظاهرات كاليفورنيا مجرد تجمعات عابرة، بل صوتاً جماعياً يقول إن الكرد، أينما وجدوا، يحملون قضيتهم معهم، ويحوّلون الغربة إلى منصة، والدموع إلى خطاب، والذاكرة الجريحة إلى مطالبة سياسية واضحة: ألا يُترك شعب قاتل الإرهاب وحمى الإنسانية وحيداً في مواجهة مصيره.