مصر تضع خطوطا حمراء لحماية الأطفال من التوحش الرقمي
القاهرة - أعلن المجلس القومي للطفولة والأمومة عن خطوط حمراء لحماية الأطفال من التوحش الرقمي والجرائم الإلكترونية، في خطوة تهدف إلى تحصين الأطفال ضد مخاطر العالم الافتراضي.
وشدد المجلس في بيان الأربعاء، على مجموعة من المحظورات القاطعة التي تستهدف توفير بيئة رقمية آمنة، ومن أبرزها حظر تام لتصوير الأطفال أو تداول صورهم وبياناتهم الشخصية عبر المنصات الرقمية ومنع تعريض الأطفال لأي محتوى ضار أو غير ملائم لفئاتهم العمرية.
وشملت المحظورات تجريم إخضاع الصغار لأي شكل من أشكال التنمر أو الابتزاز أو الاستغلال الإلكتروني، ومنع التواصل مع الأطفال عبر الوسائط الرقمية خارج الأطر الرسمية والقانونية المعتمدة.وكان البرلمان المصري أكد الأحد الماضي، بدء التحرك فعلياً نحو إعداد مشروع قانون ينظم وضع ضوابط لاستخدام الأطفال لتطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي، أسوة بما قامت به بعض الدول من منع استخدام الهواتف المحمولة للأطفال.
ويعكس هذا التوجه إدراك الدولة العميق لحجم التحديات التي تواجه أطفال مصر من مخاطر نفسية وسلوكية نتيجة الاستخدام المفرط للتطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي الذي قد يصل إلى حد الإدمان الرقمي.
ودعا مجلس الطفولة والأمومة إلى تبني نموذج "الرقابة المتوازنة" المستوحى من التجارب الدولية الرائدة، والذي يجمع بين إتاحة فوائد الإنترنت للطفل وبين فرض رقابة صارمة على المحتوى المقدم له لضمان الوقاية قبل وقوع الخطر، مع التركيز على بناء وعي الأسر والمؤسسات بآليات الحماية وسبل الإبلاغ.
وتقع مسؤولية حماية الطفل من أضرار الهواتف المحمولة على عاتق الوالِدَين بالدرجة الأولى؛ إذ لا بُدّ لهما من امتلاك الوعي الكافي بالتأثيرات النفسية والجسدية التي يتسبَّب في حدوثها.
وناشد المجلس القومي للطفولة والأمومة الأسر المصرية وكافة المؤسسات التعليمية بضرورة الرصد المبكر لأي مخاطر رقمية والتدخل الفوري لحماية الطفل، معلناً جاهزيته لاستقبال أي بلاغات عن انتهاكات إلكترونية.
واختتم المجلس بيانه بتجديد التزامه الكامل بالتعاون مع كافة جهات الدولة لضمان نشأة أطفال مصر في إطار من الأمان والمسؤولية، مشدداً على أن "الفضاء الرقمي" لن يكون ثغرة للنيل من حقوق الطفل أو سلامته النفسية والجسدية.
وحذر أطباء ومتخصصون من مخاطر استخدام الأطفال للفضاء الإلكتروني، من بينها ميل الطفل إلى الوحدة والعزلة، وشعوره الدائم بالقلق والتوتر عند محاولة سحب الهاتف منه، فضلاً عن ضعف التركيز والانتباه، وتأثير ذلك سلباً على مستواه الدراسي عند التحاقه بالمدرسة.
وأضافوا أن الطفل قد يعاني مما يُعرف بـ"التشتت الرقمي"، حيث يلجأ إلى استخدام الهاتف كل بضع دقائق أثناء المذاكرة، فضلاً عن معاناته من مشكلات صحية متعددة مثل ضعف النظر، وآلام الظهر، ومشكلات العظام والأعصاب نتيجة الاستخدام المطول للموبايل.
وأكد المجلس القومي للطفولة والأمومة أن حماية الأطفال في الفضاء الرقمي لا تقتصر على التدخل بعد وقوع الخطر، بل تبدأ بالوقاية والتوعية، من خلال تعزيز الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، وبناء وعي الأطفال والأسر والمؤسسات بمخاطر العالم الرقمي، وآليات الحماية وسبل الإبلاغ.
وأكد أن جميع البلاغات والبيانات يتم استقبالها والتعامل معها بسرية تامة، مع مراعاة كاملة لخصوصية الأطفال وذويهم.
وترى الدكتورة هالة يوسف، أستاذة علم الاجتماع، أن الأسرة تتحمل جانبًا كبيرًا من المسؤولية فالهاتف أصبح أداة لإشغال الطفل بدلًا من الحوار والتوجيه، وفي كثير من الأحيان لا يعرف الأهل نوعية الألعاب التي يستخدمها أبناؤهم ولا الرسائل التي تبثها.
وأضافت أن الضغوط المعيشية دفعت بعض الأسر إلى الاعتماد على الهاتف كـ"حل سريع"، دون إدراك للعواقب بعيدة المدى.
ويتفق المختصون على أن المنع الكامل ليس حلًا فعالًا، بل قد يدفع الطفل إلى التمرد أو الاستخدام الخفي. ويوصون بتحديد وقت يومي لاستخدام الهاتف. ومتابعة محتوى الألعاب وتصنيفها العمري. وفتح نقاش مستمر مع الأطفال حول ما يشاهدونه ويمارسونه. وإدماج مفاهيم التربية الرقمية في التعليم.
وتشديد الرقابة على الألعاب التي تروّج للعنف أو السلوك الإجرامي.
ويؤكد المختصون أنه بين تطور التكنولوجيا وتراجع الدور التربوي، يقف الطفل في مواجهة عالم رقمي مفتوح بلا ضوابط. إذ لا يمكن تحميل الهاتف الذكي وحده مسؤولية انحراف السلوك، فإن إدمانها، في ظل غياب الرقابة والوعي، وقد يشكل بوابة خفية لوقوع الأطفال في سلوكيات إجرامية تهدد أمنهم ومستقبلهم، ما يستدعي تحركًا عاجلًا من الأسرة والمؤسسات التعليمية والجهات المعنية.