أزمة سيولة تُعيد مخاوف تأخر الرواتب العراقية إلى الواجهة
بغداد - تشهد العاصمة بغداد والمحافظات العراقية حالة من الترقب والقلق الشعبي المتزايد، إثر بوادر أزمة سيولة مالية حادة ألقت بظلالها على ملف رواتب الموظفين الذي يمثل العصب الحيوي للاقتصاد المحلي. وتأتي هذه الأزمة في توقيت سياسي حساس يتسم بتعثر تشكيل الحكومة الجديدة، مما خلق فجوة في الصلاحيات القانونية اللازمة للتعامل مع العجز المالي والالتزامات الخارجية.
وبينما شارف الشهر الحالي على الانقضاء، لا يزال الملايين من موظفي الدولة في انتظار أجورهم التي تُصرف عادةً في المدى الزمني ما بين 20 و25 من كل شهر. وأدى هذا التأخير إلى انقسام في القراءات الاقتصادية حول قدرة الدولة على المناورة في ظل غياب حكومة كاملة الصلاحيات.
وفي هذا السياق يرى الخبير نبيل المرسومي أن حكومة تصريف الأعمال غير قادرة على الاقتراض من المصارف الحكومية بشكل واسع بسبب افتقارها للصلاحيات الكاملة، لافتا إلى أن التأخر في التفاهمات السياسية (بما فيها الضغوط الدولية) يعطل إقرار موازنة 2026، مما يدخل البلاد في حالة "اضطراب مالي".
ونقل موقع "شفق نيوز" الكردي العراقي عن المرسومي قوله إن الرهان على أسعار النفط (نحو 70 دولاراً) محفوف بالمخاطر، كونه ارتفاعاً مؤقتاً مرتبطاً بتوترات جيوسياسية، وأن الإيرادات الفعلية تحتاج لشهرين للوصول، مما يترك فجوة زمنية.
في المقابل يؤكد مظهر محمد صالح مستشار رئيس الوزراء أن المادة (29) من قانون رقم (6) لسنة 2019 تمنح الحكومة مخرجاً عبر الاقتراض الداخلي المحدود وقصير الأجل المخصص حصراً للنفقات الحاكمة بما فيها الرواتب، الرعاية الاجتماعية والمتقاعدين.
وتتجاوز الأزمة الجانب المالي لتصل إلى أبعاد أمنية واجتماعية، باعتبارها تهدد بتآكل الثقة بين المواطن والدولة، واحتمالية اندلاع احتجاجات شعبية، فضلا عن تداعياتها على المشاريع الجديدة بسبب حصر الإنفاق بالرواتب.
ويحذر خبراء من أن استمرار الاعتماد على الحلول الترقيعية وسلف الخزينة قد يؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات النقدية للمصارف الحكومية، مما يجعل الحل السياسي ضرورة اقتصادية لا تقبل التأجيل.
وتُعد الرواتب في العراق القضية الأكثر حساسية لأنها تمس القوت اليومي لأكثر من 4 ملايين موظف، إضافة إلى المتقاعدين والمستفيدين من شبكة الحماية الاجتماعية، ليصل العدد الإجمالي لمن يعتمدون على الخزينة العامة إلى نحو 9 ملايين مواطن.
وتعتمد ميزانية الأجور بنسبة تتجاوز 90 بالمئة على إيرادات النفط. ويؤدي أي تذبذب في الأسعار العالمية أو تأخر في وصول الحوالات النقدية (الدولار) إلى شح السيولة بالدينار.
وارتفعت فاتورة الرواتب بشكل هائل خلال العقد الأخير، مما جعل النفقات التشغيلية "تبتلع" معظم الموازنة على حساب المشاريع الاستثمارية، بينما لا يزال البلد يبحث عن حلول لتنويع اقتصاده واستقطاب الاستثمارات الأجنية.
ويعتمد السوق العراقي كلياً على القوة الشرائية للموظفين وينذر تأخر الرواتب بتوقف حركة البيع والشراء، بينما ينتظر أن يدفع القلق الناس إلى تحويل مدخراتهم من الدينار إلى الدولار، مما يضغط على سعر الصرف.
وباختصار يمكن القول إن المشكلة في العراق لا تكمن في نقص أموال بقدر ما هي "أزمة إدارة سيولة" وقدرة على الوصول لتلك الأموال قانونياً في ظل الانسداد السياسي، حيث ستصرف الرواتب في نهاية المطاف عبر الاقتراض الداخلي، لكن الاستمرار بهذا النهج يستنزف الاحتياطيات المصرفية.