حراك إماراتي-كويتي يرسخ متانة الشراكة الثنائية

العلاقات بين أبوظبي والكويت تشهد مرحلة متقدمة من التنسيق تقوم على التشاور المستمر وتبادل الثقة وإدارة الملفات الحساسة برؤية مشتركة.

أبوظبي - استقبل رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في أبوظبي وزير الدفاع الكويتي الشيخ عبدالله علي عبدالله السالم الصباح الذي يقوم بزيارة عمل يشارك خلالها في فعاليات أسبوع "الإمارات والكويت.. إخوة للأبد"، في زيارة تحمل أبعادا سياسية وأمنية تتجاوز طابعها البروتوكولي وتأتي في توقيت إقليمي دقيق يتسم بتصاعد التوترات في المنطقة.

وتزامنت زيارة وزير الدفاع الكويتي إلى أبوظبي مع زيارة مماثلة قام بها وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد إلى الكويت الأربعاء، التقى خلالها أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد في قصر بيان وكبار المسؤولين، في مشهد يعكس حراكا دبلوماسيا متبادلا يؤكد متانة العلاقات بين البلدين.

وبحث الشيخ محمد مع وزير الدفاع الكويتي العلاقات الأخوية ومسارات التعاون والعمل المشترك، وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، بما يخدم المصالح المتبادلة ويحقق تطلعات الشعبين. كما تناول اللقاء مستجدات الأوضاع في المنطقة، وعدداً من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، في دلالة واضحة على أن التنسيق الإماراتي-الكويتي بات جزءا من مقاربة شاملة للتعامل مع التحولات المتسارعة في المنطقة.

وتكتسب زيارة الوزير الكويتي إلى أبوظبي أهمية خاصة، ليس فقط لارتباطها بفعالية رمزية تؤكد عمق الروابط التاريخية بين البلدين، بل لكونها تأتي في لحظة إقليمية تتزايد فيها التحديات الأمنية، من الخليج إلى البحر الأحمر. ويعكس هذا اللقاء حرص الطرفين على تعزيز التنسيق الدفاعي والأمني، بوصفه أحد أعمدة الثقة المتبادلة، وعنصراً أساسياً في منظومة الأمن الجماعي الخليجي.

في المقابل، شكّلت زيارة الشيخ عبدالله بن زايد إلى الكويت الوجه الآخر لهذا الحراك المتزامن، فقد التقى أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، كما عقد لقاءات مع ولي العهد الشيخ صباح الخالد، ورئيس مجلس الوزراء الشيخ أحمد العبدالله، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية، وسبل تطوير التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية، إلى جانب تبادل وجهات النظر حول القضايا الإقليمية والدولية.

وتشير كثافة اللقاءات التي عقدها وزير الخارجية الإماراتي، ومستوى التمثيل الكويتي الرفيع، إلى أن العلاقات بين أبوظبي والكويت تشهد مرحلة متقدمة من التنسيق السياسي، تقوم على التشاور المستمر، وتبادل الثقة، وإدارة الملفات الحساسة برؤية مشتركة، فالعلاقة بين البلدين لم تعد تقتصر على الأطر التقليدية، بل باتت شراكة استراتيجية تتفاعل مع المتغيرات الإقليمية والدولية.

لقاء يعكس رؤية مشتركة للقضايا الخليجية والاقليمية والدولية
لقاء يعكس رؤية مشتركة للقضايا الخليجية والاقليمية والدولية

وتأتي هذه الزيارات المتبادلة في سياق إقليمي متوتر، على خلفية التصعيد الأميركي تجاه إيران، وتهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب باللجوء إلى عمل عسكري، مقابل وعيد إيراني بالرد. ويتزامن هذا التصعيد الخارجي مع توترات داخلية في إيران، حيث تشهد البلاد احتجاجات شعبية متجددة نتيجة الانهيار الحاد في قيمة الريال الإيراني، وتدهور مستويات المعيشة، في ظل تضييق اقتصادي دولي وعقوبات أثقلت كاهل الاقتصاد الإيراني.

في هذا المناخ المشحون، تبدو التحركات الإماراتية-الكويتية رسالة سياسية واضحة مفادها أن دول الخليج تسعى إلى تحصين علاقاتها البينية، وتعزيز تماسكها الداخلي، في مواجهة بيئة إقليمية مضطربة، فالتنسيق بين أبوظبي والكويت لا ينفصل عن رؤية أوسع تتعلق بأمن الخليج واستقراره، وضرورة التعامل مع التحديات المحيطة بمنطق الحكمة والتكامل، لا بردود الفعل المتسرعة.

وتأتي هذه التطورات في إطار رؤية مشتركة لدور مجلس التعاون الخليجي، فالإمارات والكويت تنظران إلى المجلس باعتباره الإطار الجامع لتنظيم المصالح المشتركة، وتعزيز القدرة الجماعية على مواجهة الأزمات. وتدرك الدولتان أن أي تصعيد إقليمي، ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن الخليج، ما يجعل التنسيق الخليجي ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً.

كما يعكس التركيز على التعاون الاقتصادي والتنموي في لقاءات الكويت توجهاً لتعزيز الشراكة الشاملة، بما يتجاوز البعد السياسي والأمني، فالإمارات والكويت تعملان على توسيع مجالات التعاون في التجارة والاستثمار والتنمية المستدامة، إدراكاً منهما بأن الاستقرار الاقتصادي يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة الاضطرابات الإقليمية.

وفي البعد السياسي، تحمل هذه التحركات رسالة تهدئة في منطقة تعاني من الاستقطاب والتصعيد، فبينما تتبادل القوى الكبرى التهديدات، وتتصاعد الأزمات في أكثر من ساحة، تسعى دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات والكويت، إلى تثبيت منطق الحوار والتنسيق، والحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة، سواء داخل المنظومة الخليجية أو مع الأطراف الإقليمية والدولية.

وتمثل الزيارتان محطة مهمة في مسار العلاقات الإماراتية-الكويتية، وتؤكدان أيضا أنها علاقات راسخة وقادرة على التكيّف مع المتغيرات. كما تعكسان رؤية الدولتين لدورهما داخل مجلس التعاون الخليجي، باعتبارهما شريكين في حماية الاستقرار الإقليمي، وتعزيز العمل الخليجي المشترك، في وقت تتطلب فيه المرحلة أعلى درجات التنسيق والحكمة وسط تصعيد إقليمي ينذر بمزيد من التعقيد.