جهود لا تهدأ في المغرب لإجلاء وإنقاذ المتضررين من الفيضانات

المغرب يظهر قدرة عالية على التعامل مع موجة فيضانات حيث برزت سرعة تحرك السلطات وتلاحم المجتمع كعنوانين أساسيين في إدارة هذه الأزمة.

الرباط – تتواصل في المغرب جهود الإجلاء والإنقاذ بوتيرة متسارعة لمواجهة تداعيات الفيضانات التي ضربت مناطق واسعة من الشمال الغربي، في سباق مع الزمن هدفه الأول حماية الأرواح والحد من الخسائر، فمنذ صدور التحذيرات الأولى بشأن ارتفاع منسوب الأنهار وامتلاء السدود، تحركت السلطات بمختلف مستوياتها، معتمدة مقاربة استباقية تقوم على الإجلاء الوقائي قبل بلوغ الخطر ذروته.

وأسفرت هذه الجهود عن نقل أكثر من مئة ألف شخص من المناطق المهددة، خاصة في إقليم العرائش ومدينة القصر الكبير والمناطق المحاذية لوادي اللوكوس، إلى مراكز إيواء مؤقتة جُهّزت لتوفير المأوى والغذاء والرعاية الأساسية.

وشارك الجيش والدرك والقوات المساعدة وفرق الوقاية المدنية في عمليات الإنقاذ، مدعومين بطائرات هليكوبتر للوصول إلى القرى المعزولة التي حاصرتها المياه. وقد مكّن هذا التنسيق الميداني من إجلاء عائلات بأكملها من أسطح المنازل والحقول المغمورة، في ظل ظروف مناخية صعبة واستمرار التساقطات. وفي الوقت ذاته، كثّفت المصالح المختصة مراقبة السدود والأودية، واعتمدت عمليات تفريغ وقائية مدروسة للحد من مخاطر الفيضانات المفاجئة، مع إصدار بيانات طمأنة للرأي العام حول سلامة المنشآت المائية.

ولا تقل أهمية الجهد المجتمعي عن الجهد الرسمي، إذ انخرط متطوعون وجمعيات محلية في دعم عمليات الإغاثة، عبر توفير المساعدات ونقل المتضررين والتكفل بالفئات الهشة. ويعكس هذا المشهد تراكماً في الخبرة الوطنية في إدارة الكوارث، ونهجاً قائماً على التضامن والوحدة، حيث تتكامل الدولة والمجتمع في مواجهة الفيضانات بروح مسؤولية جماعية لا تهدأ حتى عبور الخطر.

وأظهر المغرب قدرة عالية على التعامل مع موجة فيضانات جاءت عقب سنوات من الجفاف، حيث برزت سرعة تحرك السلطات وتلاحم المجتمع كعنوانين أساسيين في إدارة هذه الأزمة، في صورة تعكس رؤية دولة راكمت خبرة واضحة في التعامل مع الكوارث الطبيعية ورسخت ثقافة التضامن والوحدة، كما حدث خلال زلزال الحوز عام 2023.

وفي مشهد يعكس تداخل التحديات المناخية مع متطلبات التدبير الاستباقي، يواجه المغرب منذ أيام موجة فيضانات غير مسبوقة طالت مناطق واسعة من السهول الشمالية الغربية، بفعل أمطار غزيرة وارتفاع قياسي في منسوب الأنهار وامتلاء السدود. ورغم قسوة الظروف، ومع تزايد المخاطر، دعت السلطات المغربية، الأربعاء، سكان المناطق المهددة بالفيضانات إلى المغادرة الفورية، خاصة في الأقاليم الواقعة ضمن حوض وادي اللوكوس.

وأعلنت وزارة الداخلية أن عدد الأشخاص الذين جرى إجلاؤهم بلغ 108,432 شخصاً، في واحدة من أكبر عمليات الإجلاء الوقائي التي تشهدها البلاد خلال السنوات الأخيرة. وقد شملت هذه الإجراءات مناطق من إقليم العرائش، بما فيها القصر الكبير والسواكن وأولاد أوشيح، إضافة إلى المنطقة الصناعية والمناطق المحاذية لمصب وادي اللوكوس.

وشاركت طائرات هليكوبتر في عمليات الإنقاذ، في وقت انتشر فيه الجيش منذ يوم الجمعة لدعم جهود الإجلاء، تحسباً لمزيد من الأمطار الغزيرة المتوقعة خلال الأسبوع. وأسهم هذا التنسيق بين مختلف الأجهزة في الحد من الخسائر البشرية، رغم غمر المياه للحقول والقرى في مناطق واسعة من الشمال الغربي، وهي منطقة تُعد من أهم الأحواض الفلاحية لإنتاج القمح، وتتميز بسهول منخفضة تصرف المياه ببطء.

وأظهرت بيانات رسمية أن معدل هطول الأمطار ارتفع بنسبة 215 بالمئة مقارنة بالعام الماضي، وبنسبة 54 بالمئة عن المتوسط التاريخي، ما يفسر حجم الضغط الاستثنائي على الأودية والسدود. وكانت مدينة القصر الكبير في صلب هذه التطورات، حيث أكدت السلطات أن نحو 85 بالمئة من سكانها غادروا بالفعل، بينما أظهر التلفزيون الحكومي صوراً لمخيمات الإيواء التي وفرت للسكان المأوى والغذاء، بعدما تحولت أحياء كاملة إلى مناطق شبه مهجورة نتيجة فيضان نهر اللوكوس.

وفي هذا السياق، برز القلق بشأن سد وادي المخازن، الذي يعمل بنسبة 146 بالمئة من طاقته الاستيعابية بعد أسابيع من الأمطار الغزيرة، غير أن وزارة التجهيز والماء حرصت، في أول خروج إعلامي رسمي، على طمأنة الرأي العام. وأكد المدير العام لهندسة المياه بالوزارة، صلاح الدين الذهبي، أنه لم يتم تسجيل أي اختلالات أو أعراض غير اعتيادية على السد وتجهيزاته، رغم تجاوزه سعته الاعتيادية منذ 6 يناير/كانون الثاني، نافياً الشائعات التي تحدثت عن خطر انفجاره.

وأوضح المسؤول أن السد يُنتظر أن يستقبل واردات مائية إضافية تقدر بنحو 620 مليون متر مكعب خلال الأيام السبعة المقبلة، مع توقع تسجيل حمولة قصوى تبلغ 3163 متراً مكعباً في الثانية. وفي ظل هذه المعطيات، يجري تصريف صبيب قد يصل إلى 1377 متراً مكعباً في الثانية، أي ما يعادل أربعة أضعاف الكميات المصرفة حالياً، ضمن سياسة تفريغ وقائي واستباقي تهدف إلى حماية المناطق الواقعة أسفل السد.

وأشار الذهبي إلى أن الوزارة عززت نظام المراقبة التقنية، من خلال تكثيف القياسات واعتماد فترتين يومياً بدل قياس شهري، إلى جانب الاستعانة بفرق متخصصة لمهام المراقبة الدقيقة. كما تم إجراء محاكاة هيدرولوجية تعتمد الساعة كوحدة زمنية، ما أتاح تحديد سيناريوهات دقيقة للتعامل مع الوضع. وبيّنت المعطيات أن السد سجل واردات مائية بلغت 972.9 مليون متر مكعب بين فاتح شتنبر 2025 و4 فبراير/شباط 2026، منها أكثر من 73 بالمئة خلال الأسبوعين الأخيرين فقط، وهو ما فاق المعدل السنوي بنسبة 184 بالمئة.

وفي موازاة الجهد الرسمي، برزت مظاهر تضامن مجتمعي لافتة، تمثلت في انخراط متطوعين وجمعيات محلية في دعم الأسر المتضررة، وتوفير المساعدات الأساسية، في مشهد أعاد إلى الأذهان موجة التضامن الواسعة التي عمّت المملكة عقب زلزال الحوز. هذا التلاحم لم يكن ظرفياً، بل نتاج رؤية دولة جعلت من التضامن قيمة راسخة، ومن الوحدة الوطنية ركيزة أساسية في مواجهة الأزمات.

ودعت جماعات حقوقية الحكومة إلى إعلان المناطق المتضررة "مناطق منكوبة"، بما يسمح للسكان بالحصول على تغطية تأمينية عن الأضرار، في وقت تواصل فيه السلطات تقييم الخسائر واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان سلامة المواطنين وحماية ممتلكاتهم. وأكدت وزارة التجهيز والماء أنها تواصل، في ظل هذه الظروف الهيدرومناخية الاستثنائية، اتخاذ جميع التدابير الكفيلة بضمان سلامة المنشآت المائية، بتنسيق تام مع السلطات المحلية وجميع المتدخلين.

وبينما أنهت هذه الأمطار الاستثنائية جفافاً دام سبع سنوات، ودَفعت المغرب إلى تسريع استثماراته في تحلية المياه، فإنها كشفت في المقابل عن جاهزية مؤسساتية وقدرة مجتمعية على تحويل التحدي إلى اختبار ناجح للتضامن والتدبير الرشيد. وفي هذا المشهد، يبرز المغرب مرة أخرى نموذجاً في إدارة الكوارث، حيث تتكامل الدولة والمجتمع في مواجهة الطبيعة، بروح وحدة أثبتت أنها أقوى من المحن.