من استقرار المناخ إلى سلامة الجسد: كيف يعيد النهج النظامي تعريف الصحة
بون (ألمانيا) - على مدى أكثر من قرن، بُنيت أنظمة الرعاية الصحية الحديثة على منطق بسيط وواضح: تشخيص المرض، معالجة الأعراض، واستعادة وظائف الجسد. وقد أثبت هذا النموذج فعاليته الكبيرة في الطب الحاد، والجراحة، ورعاية الطوارئ، وأسهم في تحقيق مكاسب مهمة في متوسط العمر وجودة الرعاية.
غير أن التحولات الصحية المعاصرة تكشف بوضوح أن هذا النهج، رغم ضرورته، قد بلغ حدوده البنيوية. فارتفاع التكاليف، وشيخوخة السكان، والانتشار الواسع للأمراض المزمنة غير المعدية، تضع أنظمة الصحة في مختلف أنحاء العالم تحت ضغوط متزايدة.
تشير التجارب في العديد من الدول الصناعية إلى مفارقة لافتة: إنفاق صحي متزايد يقابله ركود، بل أحيانًا تراجع، في مؤشرات الصحة العامة. ترتفع تكاليف التأمين، وتزداد صعوبة الوصول إلى الخدمات، من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى مجتمعات أكثر صحة.
تكشف هذه المفارقة أن المشكلة لا تكمن في نقص الأطباء أو التقنيات، بل في نموذج تنظيمي يفصل الصحة عن سياقها الحيوي الأوسع. فقد جرى التعامل مع الصحة كقطاع مستقل، منفصل عن الماء والغذاء والطاقة والبيئة والمناخ، رغم أن هذه العناصر مجتمعة تشكّل الأسس الفيزيائية والفسيولوجية للحياة الإنسانية.
لا تبدأ الصحة في العيادة أو المستشفى، بل في الظروف التي تُشكّل الحياة اليومية. فجودة المياه، وتركيب الغذاء، واستقرار البيئة، وأنماط استخدام الطاقة، تؤثر جميعها مباشرة في وظائف الجسد وتنظيمه الداخلي. وعندما تختل هذه الشروط، لا يظهر المرض كحدث عارض، بل كنتيجة منطقية.
إن التركيز على إدارة الأعراض مع إهمال مسببات المرض يقود إلى أنظمة صحية مرتفعة التكلفة ومحدودة الفاعلية. ومن هذا المنظور، فإن أزمات الصحة والبيئة والمناخ الراهنة مترابطة بعمق، وتمثل مظاهر مختلفة لاختلال واحد في نظام دعم الحياة.
من المناخ إلى الفسيولوجيا البشرية
نشأ مشروع بون للمناخ من أبحاث تطبيقية في علوم البيئة والمناخ، مع تركيز خاص على دور دورات الماء والهيدروجين في تنظيم الطاقة والمادة داخل الأنظمة الطبيعية. وقد أظهرت هذه الأبحاث أن المرونة لا تتحقق عبر حلول تقنية معزولة، بل من خلال فهم كيفية عمل الأنظمة الحية وقدرتها على التنظيم الذاتي.
ومع تعمّق هذا المنظور النظامي، اتضح أن المبادئ التي تحكم استقرار الأنظمة البيئية والمناخية هي نفسها التي تحكم الصحة البيولوجية للإنسان. ومن هذه الرؤية انبثق إطار Ars Medica Nova بوصفه مقاربة صحية وقائية قائمة على الفسيولوجيا وقوانين الطبيعة، لا على إدارة الأعراض وحدها.
ضمن هذا الإطار، تُفهم الصحة على أنها سلامة وظيفية؛ أي قدرة الكائن الحي على تنظيم الطاقة والماء والتمثيل الغذائي، والتكيف مع التغير عبر الزمن. ويمتد هذا المفهوم ليشمل التربة والنباتات والحيوانات، أي كامل نظام دعم الحياة الذي تقوم عليه حياة الإنسان.
هذا الفهم للصحة ليس جديدًا. فقد كانت بلاد الشام والأناضول وبلاد الرافدين، على مدى قرون، مراكز رائدة للمعرفة الطبية، إذ نظر الفكر الطبي الكلاسيكي - من أبقراط إلى ابن سينا (أفيسينا) والرازي والكندي - إلى الصحة بوصفها توازنًا ديناميكيًا بين الإنسان وبيئته.
وكانت جودة المياه، وأنماط التغذية، والحركة، والمناخ، وأساليب العيش، قضايا طبية مركزية لا تقل أهمية عن الأدوية نفسها. وتميزت هذه الأنظمة بتركيزها على الوقاية وقدرتها على الاستدامة الاقتصادية طويلة الأمد. ولم يكن ذلك تعبيرًا تقليديًا، بل تفكيرًا نظاميًا عمليًا سبق عصره.
رغم هذا الإرث، أعطت أنظمة الصحة الحديثة - ولاسيما في الغرب - الأولوية للعلاج بعد ظهور المرض، مع استثمار محدود في الوقاية بوصفها مبدأً بنيويًا. وفي ظل تصاعد التكاليف وتزايد عبء الأمراض المزمنة، لم تعد الوقاية خيارًا إصلاحيًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان استدامة الرعاية الصحية.
ترابط الماء والطاقة والغذاء والصحة
يوفّر ترابط الماء والطاقة والغذاء والصحة إطارًا عمليًا لإعادة تصميم أنظمة الصحة. فالصحة المستدامة تعتمد على:
- مياه نظيفة ومتاحة،
- أنظمة غذاء خصبة وغنية بالمغذيات،
- أنظمة طاقة تدعم العمليات الحيوية،
- وبيئات معيشية تحافظ على التوازن الفسيولوجي.
وبناءً عليه، لم يعد السؤال المركزي هو كيفية معالجة المرض بكفاءة أكبر، بل كيف نخلق الظروف التي تكون فيها الصحة هي الحالة الطبيعية للمجتمع.
تشهد دول الخليج - ولاسيما المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة - تحولات عميقة في أنظمتها الصحية في إطار رؤى تنموية طويلة الأمد. وتشمل هذه التحولات تعزيز الوقاية، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتحديث البنية التحتية الصحية، والتعامل مع التحديات الديموغرافية والأمراض المزمنة.
وتعكس هذه المسارات إدراكًا متزايدًا بأن الصحة لم تعد مسألة طبية بحتة، بل قضية نظامية ترتبط بالتخطيط الحضري، والأمن الغذائي، وإدارة الموارد، والاستدامة البيئية، وهو ما يفتح المجال أمام نماذج وقائية متكاملة قبل أن تتفاقم الضغوط المالية والاجتماعية.
الصحة كاستثمار طويل الأمد
عندما تُبنى أنظمة الصحة على الوقاية والتكامل والتوازن، تتحول الصحة من عبء مالي متكرر إلى استثمار طويل الأمد. فالمجتمعات الأكثر صحة تكون أكثر إنتاجية وقدرة على التكيف مع التغيرات الاقتصادية والبيئية.
ويجري تطوير هذا المنطق النظامي بشكل أعمق ضمن إطار Ars Medica Nova، الذي يترجم مبادئ الصحة الوقائية إلى بنية فسيولوجية وسياسات متماسكة.
الخلاصة
لن يتحدد مستقبل الرعاية الصحية بمزيد من التدخلات أو التعقيد، بل بقدرتنا على تصميم أنظمة أفضل. فالمقاربات الوقائية القائمة على الفسيولوجيا تعيد تعريف الصحة بوصفها نتيجةً لتكامل أنظمة دعم الحياة. ومن خلال إعادة ربط المناخ والماء والطاقة والغذاء بالفسيولوجيا البشرية، يفتح إطار Ars Medica Nova أفقًا جديدًا لأنظمة صحية أكثر مرونة واستدامة في الشرق الأوسط وعلى مستوى العالم.
هاينتس ي. شتورم مهندس نظم ومحلل، ومؤسس مشروع بون للمناخ وإطار Ars Medica Nova. يركّز عمله على الربط بين المناخ والبيئة والطاقة والصحة من خلال نماذج نظامية تستند إلى قوانين الطبيعة وأنظمة دعم الحياة. يقيم في مدينة بون بألمانيا.