'رأس الجبل'.. حكاية مغربية بصدى الهيبة

صراعات السلطة والتقاليد تشعل أحداث المسلسل، حيث تتبدل الولاءات وتنكشف الأسرار ويصبح البقاء للأقوى في مواجهة عائلية حادة تختبر الشجاعة والمصير.

الرباط ـ في سياق موجة الاقتباسات الدرامية العربية التي باتت تراهن على إعادة تقديم الأعمال الناجحة بروح محلية، يترقّب الجمهور المغربي والعربي عرض مسلسل "رأس الجبل"، النسخة المغربية من المسلسل اللبناني-السوري الشهير "الهيبة"، الذي حقق منذ انطلاقه سنة 2017 نجاحا جماهيريا واسعا، قبل أن يُعاد إنتاجه لاحقا في نسخة تركية بعنوان "المدينة البعيدة".

ويأتي هذا المشروع الجديد ليؤكد رغبة صناع الدراما في استثمار القصص القوية، مع إعادة صياغتها بما ينسجم مع الخصوصيات الاجتماعية والثقافية لكل بلد.

وأُعلن رسميا عن انطلاق تصوير مسلسل "رأس الجبل"، وهو عمل من تأليف بسمة الهجري، وإخراج أيوب لهنود، ويُقدَّم بوصفه معالجة مغربية مستقلة تستلهم الفكرة العامة لـ"الهيبة"، دون الوقوع في فخ الاستنساخ الحرفي للأحداث أو الشخصيات.

وقد أكد المنتج صادق الصباح أن النسخة المغربية تهدف أساسًا إلى تقديم قصة جديدة بروح مغربية خالصة، تحافظ على جوهر الفكرة الأصلية، لكنها تنطلق من واقع مختلف.

وأوضح الصباح في تصريحات سابقة أن "رأس الجبل" يُعد النسخة الثالثة من العمل بعد النسختين اللبنانية والتركية، معتبرا أن تعدد النسخ دليل على قوة الفكرة وقدرتها على التكيّف مع بيئات ثقافية متباينة.

وأضاف أن الرهان في النسخة المغربية لا يقوم فقط على الشهرة السابقة للعمل، بل على جودة الكتابة والأداء، وتقديم شخصيات قريبة من المتفرج المغربي.

وتدور أحداث مسلسل "رأس الجبل" حول شخصية ياسمينة، التي تعود من مدينة مونتريال الكندية إلى المغرب لحضور جنازة زوجها، غير أن هذه العودة العابرة تتحول إلى إقامة قسرية في منطقة تُعرف باسم "رأس الجبل"، حيث تجد نفسها مضطرة للبقاء رفقة ابنها، الذي يصبح الوريث الشرعي لعائلة فضلاوي، إحدى العائلات النافذة في المنطقة.

ومنذ اللحظة الأولى، تصطدم ياسمينة بعالم مغلق تحكمه التقاليد الصارمة، وتشابكات النفوذ، وصراعات السلطة، ما يضعها في مواجهة واقع لم تكن مهيأة لدخوله.

ومع تصاعد الأحداث، تتعقد علاقة ياسمينة بمحيطها الجديد، إذ تسعى جاهدة لحماية ابنها من صراعات عائلية لا ترحم، وفي الوقت نفسه تحاول فهم القوانين غير المكتوبة التي تحكم المنطقة.

وتتحول رحلتها إلى مسار مليء بالتحديات النفسية والاجتماعية، حيث تجد نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات مصيرية قد تغيّر حياتها وحياة ابنها إلى الأبد.

وفي هذا السياق، كشفت كاتبة السيناريو بسمة الهجري، في حوار مع موقع "Le360"، تفاصيل مهمة حول طبيعة النسخة المغربية، مؤكدة أن العمل لا يقوم على النسخ، بل على إعادة كتابة الحكاية برؤية مغربية.

وقالت، "المسلسل نسخة مغربية من الهيبة، لكنه ليس نفس الأحداث ولا نفس مسار الشخصيات ولا القصة ذاتها. اعتمدنا فقط على الحبكة الرئيسية، ثم طورنا قصصاً جديدة بالكامل".

وأضافت الهجري أن فريق الكتابة حرص على الحفاظ على روح العمل الأصلي، لكن بحكايات نابعة من الواقع المغربي ومرجعيته الثقافية والاجتماعية، مشيرة إلى أن بعض العناصر الموجودة في النسخة اللبنانية لا تتلاءم مع المجتمع المغربي.

وأوضحت "مسألة العشائر، مثلًا، غير موجودة عندنا، لكن لدينا أشكال أخرى من العلاقات، مثل شبكات رجال الأعمال والعمل المشترك داخل إطار تجاري".

وتطرقت إلى موضوع التهريب، مؤكدة أنه حاضر في المسلسل، لكنه عولج بطريقة تحترم ما هو موجود فعلا في الواقع المغربي، دون مبالغة أو تهويل، وبما يعكس ما تناولته الصحافة المحلية من قضايا مشابهة.

ويضم المسلسل نخبة من أبرز نجوم الدراما المغربية، يتقدمهم أسعد بواب في دور البطولة، إلى جانب هبة بناني، أمين الناجي، نورا الصقلي، سلوى زرهان، أسامة البسطاوي، ناصر أقباب، عبد الله ديدان، وآخرين.

وشددت بسمة الهجري على أن اختيار الممثلين لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تشاور بين فريق الكتابة والمخرج والمنتجين.

وحول اختيار أسعد بواب تحديدا، قالت الهجري، "اسم أسعد بواب جاء ضمن اقتراحات جماعية، لكنه كان اختيارا بديهيا، فبروفايله الفني وإمكاناته وطريقة أدائه كلها عناصر كنا في حاجة إليها لتجسيد هذه الشخصية".

من جهته، عبّر الممثل أسامة البسطاوي عن حماسه للمشاركة في العمل، مؤكدا في تصريحات متفرقة، أن "رأس الجبل" يقدم تجربة مختلفة عن الأعمال الاجتماعية التقليدية، لما يحمله من عمق درامي وصراعات نفسية معقدة، معتبرا أن الجمهور المغربي سيجد نفسه أمام عمل مشوّق يحمل بصمته الخاصة.

يُذكر أن مسلسل "الهيبة" في نسخته الأصلية دارت أحداثه في قرية حدودية بين لبنان وسوريا، وتمحورت قصته حول شخصية جبل شيخ الجبل، زعيم عشيرة قوي وغامض، يخوض صراعات عشائرية معقدة، ويتورط في تجارة السلاح والتهريب، مع تسليط الضوء على قضايا الثأر والسلطة والعلاقات العاطفية المتشابكة.

وقد جسّد الدور الفنان السوري تيم حسن، إلى جانب نخبة من نجوم الدراما العربية، من بينهم نادين نسيب نجيم ومنى واصف.

ورغم التشابه في الخطوط العريضة المتعلقة بالصراع والنفوذ، تسعى النسخة المغربية "رأس الجبل" إلى تقديم معالجة مختلفة، تنطلق من بيئة محلية، وتُبرز تحولات المجتمع المغربي وصراعاته الداخلية، في قالب درامي مشوّق. وهو ما يجعل العمل محط اهتمام واسع، خاصة مع اقتراب عرضه في موسم رمضاني يشهد منافسة قوية بين الأعمال الدرامية.

وبين الرهان على نجاح تجربة الاقتباس، وتحدي تقديم محتوى يحترم ذكاء المشاهد، يبقى "رأس الجبل" واحدا من أكثر الأعمال المنتظرة، في انتظار ما إذا كان سينجح في تحقيق المعادلة الصعبة: الوفاء لروح "الهيبة"… مع صناعة هوية مغربية مستقلة.