تأثير الإخوان المسلمين في صنع القرار السعودي "بين عهدين" (3)
خريف التحالفات وتصدع العمق السعودي في اليمن
توقفنا في الحلقة السابقة عند المشهد الدامي في الجنوب العربي والتنسيق "المريب" الذي كشفته الغارات الجوية، لننتقل الآن إلى مربع الاستشراف: إلى أين تمضي هذه العلاقة؟ وما هي الكلفة الاستراتيجية التي ستدفعها المنطقة؟
أولا: بين مطرقة التخادم الإخواني-الحوثي وسندان الاستنزاف العسكري
شكل تاريخ 3 فبراير/شباط 2026 نقطة سوداء في مسار التحالفات، إذ تعرضت القوات الجنوبية لقصف جوي وحشي سعودي أثناء قيامها ببسط الأمن في وادي حضرموت والمهرة، خلف 421 شهيداً و1347 جريحاً وأكثر من 709 أسيرا و ومفقودا، ليست خطأ عسكريا، بل رسالة سياسية مفادها أن هناك أجنحة داخل القرار السعودي ما تزال تراهن على الفصيل الإخواني كذراع بري.
إن استهداف القوات الجنوبية التي أثبتت فاعليتها الكبيرة والموثوقة في مكافحة الإرهاب وكسر المد الحوثي، يخلق شرخا لا يمكن رأبه مع الحليف الصادق على الأرض، مع القوى الوطنية الحقيقية، ويضع السعودية في مواجهة مباشرة مع تطلعات شعب الجنوب العربي ، مما يهدد بخسارة العمق الاستراتيجي الجنوبي وتحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات لصالح تنظيم الإخوان المسلمين، تخسر المملكة الحليف صدقاً في مواجهة المشروع الإيراني، مما يجعل حدودها الجنوبية مستقبلاً تحت رحمة "كماشة" (حوثية-إخوانية) متبادلة الأدوار.
وهنا يبرز تساؤل استراتيجي خطير: لماذا تصر قوى "الشرعية" الإخوانية على تجميد جبهاتها ضد الحوثي وتوجيه بوصلة العداء نحو الجنوب العربي؟؟
ثانيا: استنزاف "الشرعية" وتآكل الثقة الإقليمية
عزلة "الرياض"
إن المراهنة على الإخوان كذراع بري وحيد في الشمال، رغم إخفاقاتهم العسكرية المتكررة أمام الحوثيين، أفرزت واقعاً كارثياً، فبينما خاضت القوات الجنوبية (بدعم وإسناد من دولة الإمارات العربية المتحدة الحليف الصادق) معارك وجودية طردت، وطهرت خلالها مليشيا الحوثي من العاصمة عدن، ومحافظات الضالع، لحج، أبين، شبوة، وساحل حضرموت، وصولاً إلى مشارف مدينة الحديدة غربا ومديريتي وجوبة وحريب من محافظة مأرب شمالا، خلال بضع أشهر، ظلّت ميليشيات الإخوان تراوح مكانها في مديرية واحدة بمحافظة مأرب طيلة عشر سنوات، ولم تحرز أي انتصار يذكر، بل منيت بهزائم لا تعد وانسحابات متتالية من مواقع ومناطق تمركزها دون أي معارك ومواجهات تذكر خاضتها مع مليشيا الحوثي، رغم استلامها من التحالف العربي كميات ضخمة من الأسلحة والعتاد والأموال وغيرها أكثر، بأضعاف مما استلمته القوات الجنوبية.
ثالثا: تقرير "خيوط الظل" والاستثمار في الإرهاب
يتفق الواقع الميداني مع تقرير استقصائي نشره مركز "عدن بلوتيكا للدراسات"، يتهم فيه دوائر استخباراتية بإدارة ملف الإرهاب في شبوة، حضرموت، أبين كأداة وظيفية عبر: الاختراق لا التفكيك. استخدام معلومات "القاعدة" لإبقائهم "فزاعة" لزعزعة استقرار الجنوب. وصناعة الذرائع: غض الطرف عن سقوط مناطق إستراتيجية لتبرير تدخل عسكري دائم بصفة "المنقذ" ونهب الثروات: استغلال الفوضى لتعطيل سيادة الجنوبيين على منشآت النفط والغاز (بلحاف والمسيلة).
وفي السياق متصل تؤكد المعلومات الميدانية (نشرتها عدة مواقع مؤخراً منها عدن تايم) عن تحول أودية حضرموت (سر، شحوح، بن علي، وهينن) إلى ملاذات آمنة لتنظيمي داعش والقاعدة الإرهابيين هروبا من ضربات الطيران الأمريكي في مأرب.
إن فتح هذه المعسكرات تحت حماية المنطقة العسكرية الأولى الاخوانية هي مخادعة وتواطئ فاضح وتجاوز صارخ في الحرب العالمية على الإرهاب.
رابعا : وادي حضرموت والمهرة.. شريان حياة الحوثيين
التخادم (الإخواني- الحوثي) وسقوط الأقنعة وسياسة "الباب المفتوح"
لم يعد الحديث عن "التنسيق" بين حزب الإصلاح والمليشيا الحوثية مجرد استنتاج سياسي، بل واقعاً ميدانياً وثقته تقارير استخباراتية دولية.
فبقاء المنطقة العسكرية الأولى التي لم تعد ضمن هيكلة القوات المسلحة اليمنية بل تم غربلتها، وتحويلها الى مليشيات تابعة لحزب الاصلاح فرع تنظيم الإخوان المسلمين في اليمن، والتي ظلت كقوة مهيمنة في وادي وصحراء حضرموت والمهرة، رغم صدور قرارات رئاسية بإخراجها، من المحافظتين الا انها رمت بها عرض الحائط وحوّلت تلك المناطق إلى "شريان حياة" يمد الحوثيين بالسلاح والتقنيات الإيرانية القادمة عبر المنافذ الحدودية. من سلطنة عمان إلى وادي وصحراء حضرموت ومأرب والبيضاء وصولا الى صنعاء...
الأخطر من ذلك هو "مسرحية الانسحابات"، من مناطق سيطرة "مليشيا الإصلاح القاعدية الداعشية" التي عادة ما تسقط خلال ساعات، تاركةً خلفها ترسانة ضخمة من الدبابات والمدرعات بل ألوية بكامل عتادها الثقيل (دبابات ومدرعات المقدمة من التحالف) كـ غنائم" باردة للميليشيا الحوثية، في سيناريو أقرب للتسليم الممنهج منه للهزيمة العسكرية في مقابل صمود أسطوري للقوات الجنوبية التي تفتقر للغطاء الجوي وحققت انتصارات حاسمة، مما يؤكد فرضية "تبادل الأدوار" لإضعاف القوى الوطنية الحقيقية.
مسرحية الانسحابات:
شريان الحياة" للميليشيات الحوثية:
تعد المنطقة العسكرية الأولى في وادي وصحراء حضرموت والمهرة "القنبلة الموقوتة"، والأداة الأخطر في ذلكم التخادم. فرغم القرارات الرئاسية وتوجيهات وزارتي الدفاع والداخلية، ما تزال تلك المليشيات التابعة لحزب الاصلاح تعمل كجسر إمداد لوجستي لتهريب أجهزة ومعدات للطائرات المسيّرة والصواريخ، فقد أكدت تقارير استخباراتية (عربية، وغربية) أن السلاح والصواريخ الإيرانية تمر من سلطنة عمان عبر المهرة الى وادي وصحراء حضرموت مرورا بمحافظتي مارب والبيضاء تحت حماية قوات المنطقة العسكرية الأول "الإخوانية " لإيصالها إلى مليشيا الحوثي.
التواطؤ اللوجستي:
مضاف إليه تم ضبط معدات وأجهزة عسكرية حساسة تستخدم للطيران المسيّر والصواريخ وأجهزة اتصالات حديثة في نقاط أمنية تتبع وزارة الداخلية والنخبة الحضرمية بمحافظة حضرموت وفي المعبر الحدودي مع سلطنة عمان في المهرة، إلا أن تدخلات قيادة المنطقة الأولى كانت كفيلة بالإفراج عنها لتكمل طريقها إلى صنعاء بكل أريحية
خامسا: تعيين العقيلي.. النواة الأولى تعود للواجهة:
وفي تزامن مخيف مع ارتكاب قوات الطوارئ الشمالية الاخوانية الداعشية والقاعدية التي تم استجلابها من محافظتي مأرب والجوف لتحل محل القوات الجنوبية ارتكبت مساء الجمعة 6 فبراير/شباط 2026 مذبحة خارجة عن المشهد الانساني في مدينة سيئون ضد مدنيين في وقفة احتجاجية سلمية، فاجأتهم قوات الطوارئ الشمالية الاجرامية بالرصاص الحي ما أسفرت عن7 شهداء وأكثر من 20 جريحا. وقبل أن تستفيق حضرموت من فاجعتها الأليمة فإذا برشاد العليمي يصدر قرارا وُصف بالمفاجِئ والمثيرة للجدل، بتعيين الارهابي طاهر عيضة العقيلي وزيرا للدفاع في اليمن مما أثار موجة واسعة من التساؤلات والمخاوف، لاسيما ارتباطاته بجماعة الإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة.
الخلفيات: تلقى العقيلي تعليمه الأساسي والثانوي في معهد السلام العلمي بمدينة خمر، أحد معاقل الإخوان، ثم جندياً في الفرقة الأولى مدرع بقيادة علي محسن الأحمر، الذراع العسكرية للإخوان.
الارتباطات: ليتم استقطابه من ضباط عادوا من أفغانستان لنشر الفكر الجهادي داخل الجيش اليمني، في حملة أطلق عليها "التناصح" كي تقيهم من الملاحقات الدولية كإرهابين من ناحية ومن ناحية أخرى للزج بتلك العناصر العائدة من افغانستان حيث لعبت دورا حاسما في حرب اجتياح الجنوب في 1994 ممن استقدمهم الزنداني بقيادة أسامة بن لادن الذي أطلق على تلك الحرب الظالمة "غزوة عدن" جنبا إلى جنب مع مليشيات الاصلاح والجيش الشمالي ومنهم علي عمار الجائفي ومحمد ناصر سنهوب وعبدالرب الشدادي وأمين الوائلي، لتتشكل حينها النواة الأولى لتنظيم الإخوان داخل الجيش اليمني.
وللعقيلي صلات بأركان حزب الإصلاح وأبرز رموزه، مثل الزنداني، أما نجله أسامة العقيلي فكان أحد أفراد الحراسة الارهابي عبدالمجيد الزنداني وبموافقة أبيه انظم إلى تنظيم القاعدة بمحافظة البيضاء عام 2014، وبايع أمير التنظيم عبدالرؤوف الذهب، قبل أن يُقتل في عملية انتحارية نفذها بحزام ناسف ضد نقطة عسكرية في أمنية رداع.
المخاوف: تتزايد المخاوف من إعادة تدوير الإخوان داخل مفاصل الدولة وفتح الباب مجدداً أمام نفوذ الجماعة، ما يؤدي إلى تهديد استقرار البلاد وأمنها، وتعزيز نفوذ الإخوان في المؤسسة الدفاعية، وجرها البلاد إلى دوامة العنف والفوضى.
وللحديث بقية