حزب الله اللبناني يُعيد رسم ملامح هيكلية جديدة

ما يشهده حزب الله اليوم ليس مجرد سد لشواغر القيادات المغيبة، بل هو محاولة للتكيف مع واقع سياسي وعسكري جديد فرضته الحرب الأخيرة والتحولات في بنية الدولة اللبنانية.

بيروت – لم تكن استقالة وفيق صفا، مسؤول وحدة "الارتباط والتنسيق" في حزب الله اللبناني، مجرد تبديل إداري روتيني، بل شكلت الإعلان غير الرسمي عن انطلاق عملية "إعادة هيكلة" شاملة وعميقة داخل البنية التنظيمية للحزب. وتأتي هذه الخطوة، التي يقودها الأمين العام نعيم قاسم، كاستجابة مباشرة لسلسلة من الانتكاسات العسكرية والأمنية التي مني بها الحزب إثر الحرب الإسرائيلية الواسعة أواخر عام 2024، وما خلفته من تصدعات طالت هرم القيادة والقواعد التنظيمية.

وكشفت مصادر مقربة من الحزب أن هذه التغييرات جاءت ثمرة تحقيقات داخلية مكثفة أجريت عقب الحرب التي انتهت بوقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024. ويهدف الحزب من خلالها إلى سد الثغرات الأمنية التي أدت إلى اغتيالات طالت قيادات تاريخية، على رأسهم حسن نصر الله والرجل الثاني هاشم صفي الدين.

وإلى جانب البعد الأمني، يسعى الحزب إلى "إعادة تدوير الزوايا" سياسيا، ففي ظل واقع جديد فرضته الحكومة اللبنانية بإقرار خطة لحصر السلاح بيد الدولة في أغسطس/اب 2025، وسقوط بند "المقاومة" من البيان الوزاري لأول مرة منذ ربع قرن، يجد حزب الله نفسه مضطراً لتغيير أسلوب تعاطيه مع مؤسسات الدولة لتفادي التصادم المباشر معها ومع الرأي العام.

من أبرز ملامح الهيكلة الجديدة توجه نعيم قاسم نحو تعزيز حضور الشخصيات السياسية والمدنية في مراكز القرار على حساب "الصبغة الدينية" التقليدية. وفي هذا الإطار، برز اسم الوزير السابق محمد فنيش الذي تسلم ملف الانتخابات المقررة في مايو/ايار المقبل، والنائب محمد رعد المرشح بقوة لتولي منصب نائب الأمين العام.

ويعكس ترشيح رعد (وهو ليس رجل دين) تحولا برغماتيا يهدف إلى الاستفادة من خبرات سياسية تراكمت عبر عقود من العمل البرلماني والمؤسساتي. كما شملت التغييرات استحداث "هيئة الإعلام" برئاسة النائب إبراهيم الموسوي لتوحيد الخطاب الإعلامي والإشراف على مؤسسات الحزب المختلفة.

وتعد تنحية وفيق صفا وتعيين حسين عبدالله خلفاً له تحولاً جوهرياً في طبيعة العلاقة مع الأجهزة الأمنية. فقد تحول صفا بمرور الوقت إلى شخصية "جدلية" تتدخل في تفاصيل المشهد السياسي العام. وتهدف الهيكلة الجديدة إلى حصر دور وحدة "الارتباط والتنسيق" في الجانب الأمني والعسكري البحت، بينما تم نقل المهام السياسية والتنسيق مع الحكومة إلى شخصيات أخرى مثل أحمد مهنا والمجلس السياسي.

وتأتي هذه الخطوات التنظيمية في توقيت إقليمي حساس، يتسم بتصعيد أميركي ضد إيران وضغوط دولية لنزع السلاح. ويسعى الحزب من خلال "إعادة الهيكلة" إلى "كسر الجليد" مع الدولة اللبنانية والتمهيد لمرحلة حوار تضمن له الحفاظ على نفوذه السياسي مع الالتزام بظاهر مؤسساتي يخفف من حدة الاحتقان الداخلي والضغوط الخارجية.

وما يشهده حزب الله اليوم ليس مجرد سد لشواغر القيادات المغيبة، بل هو محاولة للتكيف مع واقع سياسي وعسكري جديد فرضته الحرب الأخيرة والتحولات في بنية الدولة اللبنانية. وبين ترميم القوة العسكرية وبناء جسور سياسية جديدة، يحاول الحزب عبور هذه المرحلة الانتقالية بأقل الخسائر الممكنة، بانتظار استكمال عملية الترميم الشاملة.