العراق ولبنان في زمن الميليشيات.. حين تختطف الدولة وتخنق

خريطة الدولة التي يتقاسمها أكثر من جيش، وأكثر من سلطة، وأكثر من علم، ليست خريطة حقيقية، بل قطعة أرض مجزأة بين أمراء حرب، وكيانات موازية، وولاءات متناقضة.

يتداول العراقيون، منذ 3 أعوام، مقطع فيديو للواء الركن المتقاعد ماجد كاظم، يقول فيه، إنهم في كلية الأركان تعلموا أن "الدولة التي يرفع فيها أكثر من علم تعتبر دولة ساقطة". نعم.. فخريطة الدولة التي يتقاسمها أكثر من جيش، وأكثر من سلطة، وأكثر من علم، ليست خريطة حقيقية، بل قطعة أرض مجزأة بين أمراء حرب، وكيانات موازية، وولاءات متناقضة؛ فالدولة بفلسفتها، تقوم على الحصر: حصر السلاح في يد واحدة، وحصر القرار في مؤسسات دستورية، وحصر الولاء في عقد اجتماعي جامع. أما الميليشيا، فتقوم على الإلغاء: إلغاء السلطة الموحدة، وإلغاء العقد الاجتماعي لصالح ولاء عابر للحدود، أو فوق قانوني.

وهذا الانقسام لم يأتِ من فراغ؛ فمنذ انتصار ثورة الملالي الإيرانية، حسم الخميني ومستشاروه أن الجيوش النظامية لا تؤتمن، وأنها قابلة للاختراق والانقلاب، ووضعوا البذرة الأولى: قوة عقائدية مستقلة عن الدولة، لا تخضع لدستورها، ولا تنصهر في جيشها، فكان الحرس الثوري، حيث لم يكن الأمر مجرد إجراء عسكري، بل إعلان عن فلسفة جديدة: أن الثورة تحكم بمنطق الميليشيا، لا بمنطق الدولة. هذه الفلسفة تمددت كالأمواج: حزب الله في لبنان، الحشد الشعبي في العراق، الميليشيات الرديفة في سوريا، والحوثيون في اليمن. وفي كل حالة، كان الشعار واحداً: مقاومة الغرب، حماية الأمة، مواجهة الخطر؛ وفي جميع الحالات كانت النتيجة واحدة: اختطاف السيادة، وتهميش المؤسسات، وتحويل القرار الوطني إلى فرع ثانوي في غرفة عمليات خارجية.

فحزب الله جعل قرار الحرب والسلم في لبنان بيده، وفرض على الدولة أن تمول نتائج مغامراته من أمنها واقتصادها. في العراق، تحولت فتوى مواجهة تنظيم داعش الإرهابي إلى حصان طروادة أسس جيشاً رديفاً أقوى من الجيش الرسمي، يعطل القرارات، ويهدد الخصوم، ويعاقب القوى الأمنية، ويتحكم بالاقتصاد.. أما في سوريا الأسد، فقد انكمش الجيش لصالح ميليشيات مذهبية تحركها طهران، وفي اليمن تحولت صنعاء إلى قاعدة صاروخية بيد الحوثيين.

وهكذا أنفقت إيران مليارات الدولارات، حفرت أنفاقاً، هربت السلاح، نفذت اغتيالات، وأشعلت ساحات العرب تحت شعار "الممانعة"، لكنها لم تحسب أن الشعوب ستكتشف أن هذه "الممانعة" تحولت إلى غطاء لنهب الثروات وتجويع الناس، وأن هذه الخرائط ستتمرد حين تدرك أن الفوضى لم تعد وسيلة لمواجهة العدو الخارجي فقط، بل غاية لإبقاء الداخل تحت السيطرة. فالميليشيا بطبيعتها، لا تعيش إلا في حالة طوارئ دائمة، فهي تحتاج إلى عدو، حقيقياً أو متخيلاً، لتبرير استمرارها؛ ولذلك لا تسعى إلى انتصار حاسم، بل إلى صراع مفتوح. أما الدولة، فمشروعها السلام من أجل البناء، والجمع بين المنطقين في خريطة واحدة هو تناقض قاتل: إما أن تنتصر الدولة، أو تبتلع الميليشيا مؤسساتها.

اليوم، ترفع بغداد وبيروت شعار حصرية السلاح، وهو ليس شعار رومانسية سياسية، بل لأن الجميع فهم أن لا استثمار، ولا استقرار، ولا ازدهار، ما دام بإمكان مسيرة تحركها "شركة خاصة مسلحة" أن تضرب مطاراً أو حقل نفط؛ ومع ذلك، ترفض طهران، بلسان ساستها، الاعتراف بحق هذه الدول في السيادة، وتصر على بقاء ترسانة الفصائل كخط أحمر. إن كل خريطة حكمتها الميليشيا انتهت إما بانهيار كامل، أو بعودة قسرية إلى الدولة بعد خراب شامل؛ ولهذا فإن المعركة اليوم هي ليست بين شعارات "المقاومة" وشعارات "التطبيع"، بل بين خيارين وجوديين: إما عقد اجتماعي يحكمه القانون، أو عقد قهري تفرضه الميليشيا، ومن يرفض الدولة الطبيعية، إنما يختار أن يحرق الخريطة قبل أن تعاد لأصحابها.