مدرسة تتحول إلى مرآة للمجتمع السوري المعاصر في 'المقعد الأخير'

يارا صبري تقدم مديرة قوية تواجه تحديات الشباب والتعليم بعقل متزن وقلب إنساني يسعى لتغيير الواقع وصناعة أمل حقيقي.

دمشق ـ تطل الفنانة السورية يارا صبري في مسلسل "المقعد الأخير" بشخصية هناء، مديرة مدرسة تجد نفسها في مواجهة يومية مع تحديات تربوية واجتماعية تعكس صورة دقيقة للمجتمع السوري المعاصر.

ويذهب العمل إلى أكثر من رصد الواقع التعليمي، حيث تتحول المدرسة إلى مساحة رمزية تختزل صراعات الأجيال، والفوارق الطبقية، وتأثير التكنولوجيا على تشكيل وعي الشباب.

يضع المسلسل المشاهد منذ الحلقة الأولى، داخل أجواء مدرسة تبدو عادية للوهلة الأولى، لكنها تخفي خلف جدرانها قصصًا إنسانية متشابكة.

هناء هي مديرة، لكنها أيضا شخصية قيادية تحاول الموازنة بين القوانين والرحمة، وبين متطلبات المؤسسة التعليمية وظروف الطلاب المختلفة.

 تتصاعد الأحداث عندما تواجه المدرسة سلسلة من المواقف الحساسة، تبدأ بقضية تنمر بين الطلاب، مرورًا بصراع بين أولياء الأمور والإدارة، وصولا إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على سلوك الطلبة وتحصيلهم العلمي.

ويعتمد المسلسل على فكرة أن المدرسة تمثل مرآة للمجتمع، فكل طالب يحمل معه خلفية اجتماعية واقتصادية مختلفة، ما يخلق احتكاكات يومية تكشف التباينات الطبقية.

وتتيع أحد الخطوط الدرامية البارزة، قصة طالب متفوق ينتمي إلى أسرة محدودة الدخل، يجد نفسه في مواجهة نظرة دونية من بعض زملائه. هنا تتدخل هناء ليس فقط كمديرة، بل كمرشدة تحاول ترسيخ قيم المساواة واحترام الآخر.

في خط درامي آخر، يناقش المسلسل تأثير الشهرة الرقمية على المراهقين، من خلال طالبة تسعى إلى تحقيق انتشار واسع على منصات التواصل، ما يضعها في مواقف خطرة تؤثر على سمعتها وعلاقتها بعائلتها. هذه القصة تفتح بابًا لنقاش أوسع حول الهوية الرقمية وحدود الحرية الشخصية.

تقدم يارا صبري شخصية هناء بهدوء محسوب، حيث تعتمد على لغة جسد متزنة ونبرة صوت تعكس الخبرة والاحتواء. الشخصية ليست مثالية، لكنها تواجه لحظات شك وتردد، خاصة عندما تتقاطع قراراتها المهنية مع حياتها الشخصية. المسلسل يسلط الضوء على الجانب الإنساني للقيادة، حيث نرى هناء تحاول حماية طلابها، وفي الوقت ذاته تحافظ على تماسك المؤسسة.

وقالت يارا صبري في تصريح صحفي، إن الشخصية "قريبة من الواقع، وتمثل آلاف النساء العاملات في قطاع التعليم، اللواتي يحملن همّ الأجيال القادمة". وأضافت أن العمل "لا يقدم حلولًا جاهزة، بل يطرح أسئلة حول دور المدرسة في زمن التغيرات السريعة".

ويشارك في بطولة العمل جهاد عبدو بدور مستشار تربوي يعود إلى المدرسة بعد سنوات من العمل خارج البلاد، حاملاً أفكارًا جديدة تصطدم أحيانًا بالبيروقراطية. شخصيته تمثل صوت الإصلاح، لكنه يكتشف أن التغيير يحتاج إلى صبر وتفاهم.

وتؤدي رنا جمول دور معلمة شابة تحاول إثبات نفسها في بيئة عمل مليئة بالتحديات، بينما تقدم ماسة الجمال شخصية طالبة تعاني من ضغوط أسرية تؤثر على أدائها الدراسي.

 وتضيف كل من أسيمة يوسف وسوناتا سكاف أبعادا إنسانية عبر شخصيات أولياء أمور ومعلمات، ما يمنح العمل ثراءً دراميًا.

ووصف جهاد عبدو المسلسل، بأنه "رحلة داخل النفس البشرية قبل أن يكون قصة مدرسية"، مشيرا إلى أن العمل "يعالج قضايا حساسة دون مبالغة، ويعتمد على الصدق في الأداء".

وتتطور الأحداث عبر حلقات متصلة، حيث تتشابك قصص الطلاب مع قرارات الإدارة. في منتصف الموسم، تواجه المدرسة أزمة كبيرة بعد انتشار مقطع مصور يسيء إلى أحد الطلاب، ما يشعل جدلًا بين الأهالي ويضع "هناء" تحت ضغط إعلامي.

وتمثل هذه الأزمة نقطة تحول في السرد، إذ تكشف هشاشة العلاقات بين المدرسة والمجتمع.

ويتجنب العمل الميلودراما المفرطة، ويفضل إيقاعًا هادئًا يسمح بتطور الشخصيات. كل حلقة تقدم موقفًا جديدًا يضيف طبقة إلى البناء الدرامي، ما يجعل المشاهد شريكًا في رحلة الاكتشاف.

واختار المخرج حسام سلامة أسلوبا بصريا بسيطا يعتمد على الإضاءة الطبيعية وحركة كاميرا هادئة، لتعزيز الإحساس بالواقعية.

وصُوّرت المدرسة كمكان حي، مليء بالتفاصيل اليومية، من أصوات الطلاب إلى حوارات المعلمين.

وأكد سلامة أن الهدف كان "تقديم دراما قريبة من الناس، تعكس تفاصيل حياتهم دون تجميل أو مبالغة". وأضاف أن فريق العمل ركز على خلق بيئة تصوير تشبه المدارس الحقيقية، ما ساعد الممثلين على الاندماج في أدوارهم.

ويطرح "المقعد الأخير" سؤالًا محوريًا حول دور التعليم في تشكيل الهوية. فالشخصيات لا تتعامل مع المناهج فقط، بل مع قيم الانتماء والمسؤولية. المدرسة هنا ليست مجرد مكان للتعلم، بل مساحة لبناء الإنسان.

سوناتا سكاف أشارت إلى أن العمل "يذكرنا بأن التعليم عملية إنسانية قبل أن تكون أكاديمية"، مؤكدة أن المسلسل "يحتفي بدور المعلم كصانع أمل".

ويقدم المسلسل تجربة درامية تميل إلى الواقعية والبساطة، وتعتمد على قوة الفكرة والأداء. المسلسل لا يكتفي بسرد قصص فردية، بل يفتح حوارًا حول قضايا تمس المجتمع بأكمله، من العدالة الاجتماعية إلى تأثير التكنولوجيا.

  ومع تقدم الأحداث، يكتشف المشاهد أن "المقعد الأخير" ليس مجرد مكان في الصف، بل رمز لكل من يشعر بالتهميش أو يسعى لإثبات ذاته. عبر هذه الرمزية، ينجح العمل في تقديم رسالة إنسانية مفادها أن لكل فرد فرصة للانطلاق، إذا وجد من يؤمن به.

ويبدو أن المسلسل يراهن على الدراما الهادئة كوسيلة لفهم الواقع، مقدّمًا حكاية تجمع بين الحس التربوي والبعد الإنساني، وتؤكد أن المدرسة تظل أحد أهم فضاءات تشكيل المستقبل.