محنة النقد، متعة الكتابة
يعدّ نشر كتاب نقدي في وقتنا هذا مغامرة محفوفة بالمخاطر والمآزق؛ ذلك أن مآزق النقد أو الكتابة النقدية ليست موصولة بعملية النشر فقط، بل يمتدّ أثرها إلى الكاتب/ الناقد وإلى القارئ على وجه الخصوص. لعله ينبغي البدء بطرح الأسئلة الأهم وهي: لماذا نكتب النقد الأدبي؟ ثم لمن نكتب؟ وأي تواصل نروم تحقيقه بين الكتابة النقدية والمتلقي؟
ما يجعل هذه الأسئلة جوهرية في وقتنا الحالي هو السياق الذي يعيشه النقد عالمياً، لا في بلادنا فقط بل في كل العالم؛ إذ يشير عدد من المنظّرين اليوم إلى نهايات عديدة: نهاية الفلسفة، نهاية المؤلف (مع بارت)، نهاية الناقد... لقد أقام الكاتب البريطاني رونان ماكدونالد في كتابه "موت الناقد" حفل تأبين للنقد الأكاديمي القائم على حكم القيمة، معلناً تراجع دوره وضعف صلته بالقراء. كما صرّحت الروائية والمترجمة العراقية لطفية الدليمي أن موت الناقد الأكاديمي هي الميتة الأكثر تحققاً في عصرنا، متسائلة عن شرعية منحه علوية ثقافية دون القارئ. ترى الروائية لطفية الدليمي أن الناقد ليس سوى قارئ يشكّل رأيه تبعاً لمرجعياته الثقافية والجمالية، وميوله الشخصية، ومواقفه الأيديولوجية، وأن القراءة "حقل لا يحتكر فيه أحد الصواب"، وهو ما يفضي إلى إقرارها بديمقراطية التأويل وتعدد معايير الجودة، ليكون النص بذلك "فضاءً مفتوحاً يشكله القراء".
لقد أسهمت الوسائط الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي في خلخلة سلطة الناقد وتعدّد أصناف النقاد الجدد. وتعدّدت آليات القراءة النقدية ومستوياتها حسب تنوّع أصناف المشتغلين بالنقد الأدبي، ومنهم: الأكاديميون، والصحافيون، والروائيون، والشعراء، والقراء العاديون. وبذلك كُسرت العزلة التي فرضها النقد الأكاديمي على النقد الأدبي نتيجة النزعة التخصصية والانعزال عن المحيط الاجتماعي والانبتات عن العالم، ونتيجة إلغازه على عموم القراء. لذا يذهب رونان ماكدونالد في نهاية كتابه إلى أنّ النقد لم يمت بصفته ممارسة فكرية، بل ماتت سلطته القديمة التي كانت تجعل منه مرجعية أولى للحكم على القيمة الأدبية، معلناً "أنّ هذا الشخص الذي عومل بوصفه خبيثاً شريراً، لعب في الحقيقة دوراً مهماً في تاريخ الفن والثقافة وعلينا ألا نحتفل بموته".(1)
على أنه لا بد من الإشارة إلى إمكانية أن يغدو القارئ أيضاً فريسة بين أيدي بعض تجار الكتب الذين يجعلون همّهم الأول تحقيق الأرباح؛ حين يروّجون للكتاب باعتباره "الأكثر مبيعاً" في أسواق المعارض وخارجها، أو يعوّلون على نقد المجاملات والصداقات والمناسبات تعريفاً ببعض الكتابات وتسويقاً لها. ومع ذلك، هل يمكن للنقد أن يتخلص من إسار الذات وأهوائها ومن مرجعياتها الفكرية والإيديولوجية إلا إذا استمد آلياته من مناهج العلوم ونظريات البحث الحديثة فكان أقرب إلى النقد الأكاديمي؟
إن الكتابة النقدية هي حوار صامت بين القارئ والنص في مرحلة أولى، ورجع صدى في مرحلة لاحقة. هي ضرب من التفاعل مع النص الإبداعي، قد تولّد في الناقد الأثر الطيّب أو السلبيّ، وهي قراءة موصولة بالمتعة والإحساس بالجمال حيناً، أو بالحيرة والشك والتفكّر أحياناً أخرى. ومن هنا تتوالد الأسئلة وتتنامى الحيرة: لماذا نتفاعل مع هذا الكتاب أو العمل الإبداعي بطريقة دون أخرى؟ ما دوافع المتعة والإحساس بالجمال أو استثارة انفعالات أخرى لعلّ أرقاها استعادة إنسانيتنا وفهم ذواتنا؟ لماذا يغرينا كتاب ما بمواصلة قراءته وحتى بإعادة القراءة، في حين يدفعنا كتاب آخر إلى إلقائه بعيداً عنا والندم حتى على مجرد اقتنائه؟
تبدو القراءة في مفهومها الأول والبسيط مجرد إدراك للنص المكتوب ومحاولة لفهمه وتفكيك خطابه، غير أنها لا يمكن أن تخفي تفاعلاً ما بين النص والمتلقي قد تتعدد أشكاله وأنواعه. قد تتطوّر هذه القراءة حين تكون حافزاً على التأويل ومحاولة تفكيك أسرار الكتابة الإبداعية وفهم مقوّماتها واستراتيجياتها، حين تغدو القراءة سعياً للكشف عن علامات الحياة في النصوص والصيغ الإبداعية التي شكلت جماليتها وحققت هذا الأثر في المتلقي.
تسعى الأعمال الإبداعية باختلاف أنواعها وأجناسها لتقديم رؤية فنية والكشف عن علاقات خفية وعوالم جديدة تتولد معها المتعة والتشويق. هذه الأعمال -سواء كانت رواية أو قصة أو سيرة أو غيرها- هي التي تمنح القارئ خبرات جديدة وتمدّ له يد العون محققة (كما يرى أمبرتو إيكو) وظيفة استشفائية؛ فهي تقينا من التعاسة والقلق اللذين يحيطان بنا، وتوسّع أفق الخيال وتطوّر ملكات التفكير والتحليل لدى المتلقي. هذا بعض أثر النص الإبداعي في المتلقي، فكيف يكون أثر النص النقدي فيه وفي الكاتب المبدع؟
يلخص محمد مشبال في كتابه "أسرار النقد الأدبي" عمل الناقد في تنمية الإحساس بالجمال واكتشاف الصيغ الإبداعية المتجددة لهذا الجمال، ويرسم صورة الناقد الجيد قائلاً هو ذاك "الذي يعرف كيف يجعل قراءته مصدراً لمتعته ومتعة القارئ"(2). هل نقيس إذن قيمة الكتابات النقدية بمقياس المتعة أساساً بقطع النظر عن عمق هذه الكتابات وثراء مضامينها وقيمتها العلمية أو الأدبية والفنية؟ وهل يتماثل لدى القرّاء هذا الإحساس بالمتعة بقطع النظر عن ميولاتهم وانتظاراتهم ورؤاهم وقناعاتهم؟
وهل يستفيد الكاتب المبدع -سواء في مجال الرواية أو القصة أو الشعر أو غيرها من الأجناس الأدبية- مما يكتبه الناقد عنه فيعمل على تطوير عمله في ضوء ملاحظات يعلنها الناقد؟ ثم هل يكتب الناقد متوجهاً إلى المبدع أساساً؟ لعله من المفيد الإشارة إلى أن بعض ما ينشره المبدعون (شعراء وروائيون) إثر الاطلاع على ما ينشر حول كتاباتهم فيه كثير من الرفض والتعالي، يصل حدّ اتهام الناقد بعجزه عن مجاراة الكاتب في مجال الخلق والإبداع الأدبي، خاصة حين لا يجدون في النص النقدي ما يرضي نرجسية الكاتب المبدع. غير أنه حين يكون النص النقدي كشفاً لمكامن الجمال في النص وتفاعلاً مع رؤاه وتصريحاً بموقف الإعجاب، يبادر المبدع بنشر النص النقدي وتثمينه. هل ينبغي إذن أن تكون الكتابة النقدية مبنية على مواقف انفعالية تعمل على تمجيد النصوص الإبداعية أو خالية من أحكام القيمة؟ أم أن الناقد الأدبي يروم أن يكون جسراً بين القارئ والكتاب، ليكون هدف النقد كما يرى محمد مشبال "تنمية الإحساس بالجمال واكتشاف الصيغ الأدبية المتجددة لهذا الجمال"؟
أليس النقد الأدبي في بعض وجوهه تجسيداً لمتعة الكتابة بعد قراءة النص الإبداعي، وضرباً من ضروب التفاعل معه استناداً إلى معرفة بآليات الكتابة، ومحاولة لكشف أسرار الإبداع اعتماداً على معايير دقيقة لتحديد القيمة الأدبية، وخاصة لاستنبات أسئلة معرفية وثقافية؟
إن قيمة أيّ قراءة نقديّة حسب الناقد المغربي سعيد يقطين لا تعود أساساً إلى تبنّي نظرية معيّنة؛ "فالنظريات لا تحلّل ولا تقول أيّ شيء خارج مسلّماتها العامّة المجرّدة، إنّ ما يحدّدها هو نوعيّة الأسئلة التي يوجهّها المحلّل إلى النصّ، وهذه الأسئلة وثيقة الارتباط برؤى الناقد وثقافته"(3).
ومع ذلك يبقى السؤال الأبديّ الذي تثيره الكتابات النقدية قائماً ومرتبطاً بـ"محنة" النقد: من له مشروعية تحديد جودة الإبداعات الأدبيّة، ومن يقرّر جدارتها بالقراءة والخلود؟ هل هو المتلقّي العادي على اختلاف ثقافته وتصوّراته وانتظاراته، أم القارئ المختصّ والناقد الأدبي أم لجان الجوائز أم الناقد الأكاديمي؟ ألا يكون من الأجدر العودة إلى الحكم الذي أصدره إدوار الخرّاط حين قال: "هناك ناقدان عظيمان، هما الزمن وجمهور القرّاء"؟
الهوامش والإحالات: 1- رونان ماكدونالد: موت الناقد، ترجمة فخري صالح، دار العين للنشر، القاهرة، ط1، 2014. 2- محمد مشبال: أسرار النقد الأدبي / مقالات في النقد والتواصل، مطبعة الخليج العربي، تطوان، ط1، 2002، ص16. 3- سعيد بنكراد: السرد الروائي وتجربة المعنى، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط1، 2008، ص47.