حكاية أسرة تمتحنها الأزمات وتعيد تعريف معنى الترابط

ثنائية ماجد الكدواني ويسرا اللوزي تخلق تناغما دراميا يمزج بين الحساسية الإنسانية والتوتر النفسي في مشاهد مليئة بالتفاصيل.

القاهرة ـ يشهد الموسم الدرامي الحالي انطلاق مسلسل اجتماعي جديد يحمل طابعا إنسانيا عميقا، يضع الأسرة المصرية في قلب الأحداث، عبر حكاية متشابكة تمزج بين العلاقات العائلية والصراعات النفسية والتحولات الاجتماعية.

ومع سرد قصة عن بيت يمر بأزمة، يذهب إلى مناطق أكثر تعقيدا، حيث تصبح الأسرة مرآة لأسئلة أكبر تتعلق بالهوية، والذاكرة، والقدرة على التماسك في وجه الضغوط.

ويراهن مسلسل "كان ياما كان" على تقديم تجربة درامية قريبة من الواقع، تستند إلى شخصيات متعددة الأبعاد وصراعات تنبع من تفاصيل الحياة اليومية، فالنص يتعامل مع الأسرة بوصفها كيانا حيا يتغير باستمرار، ويتأثر بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. ومن خلال هذا الإطار، ينسج العمل شبكة من العلاقات المتداخلة التي تكشف هشاشة الروابط أحيانًا، وقوتها المفاجئة في أحيان أخرى.

وتدور أحداث المسلسل حول عائلة تمر بمنعطفات مصيرية بعد حادث مفاجئ يغير مسار حياتهم بالكامل، فيبدأ كحياة مستقرة نسبيا يتحول تدريجيا إلى سلسلة من الاختبارات الأخلاقية والعاطفية، حيث يجد كل فرد نفسه مضطرا لمواجهة ماضٍ حاول الهروب منه، أو قرارات لم يكن مستعدًا لتحمل نتائجها. ويعمل الحادث كمحفز يكشف طبقات خفية من الشخصيات، ويعيد ترتيب الأولويات داخل البيت الواحد.

ومع تصاعد الأحداث، تنكشف أسرار قديمة تؤثر على العلاقات داخل الأسرة، وتعيد تشكيل مفهوم الثقة والانتماء، فتتبدل الأدوار، وتتغير موازين القوة، ويصبح السؤال المركزي: إلى أي مدى يمكن للروابط العائلية أن تصمد أمام الحقيقة؟ هذه الأسرار لا تُطرح بشكل صادم فقط، بل يتم تمهيدها تدريجيا عبر إشارات دقيقة ومواقف يومية، ما يمنح السرد عمقًا وواقعية.
ويجسد ماجد الكدواني شخصية الأب الذي يحاول الحفاظ على تماسك العائلة رغم الضغوط المتزايدة. تمثل شخصيته نموذج الرجل الذي يجد نفسه ممزقًا بين مسؤولياته الأسرية وطموحاته الشخصية، في صراع داخلي يتفاقم مع تطور الأحداث.

ويقدم الكدواني أداءً يعتمد على التفاصيل الدقيقة والانفعالات الصامتة، حيث يصبح الصمت أحيانًا أكثر تعبيرا من الحوار. هذه المعالجة تمنح الشخصية عمقًا إنسانيًا واضحًا، وتجعل المشاهد شريكًا في قراءة ما يدور داخلها.

في المقابل، تلعب يسرا اللوزي دور الأم التي تتحول من شخصية داعمة إلى محور أساسي في الصراع، بعدما تضطر لاتخاذ قرارات حاسمة لحماية أسرتها. وتعكس رحلتها في العمل تحولات المرأة داخل المجتمع، بين دورها التقليدي ومساحتها الشخصية التي تسعى للحفاظ عليها.

وتمر الشخصية بمراحل من الشك والقوة والانكسار، ما يمنح اللوزي مساحة واسعة لإظهار تنوع أدائها، ويجعل الأم ليست مجرد عنصر ثابت، بل قوة محركة للأحداث.

أما عارفة عبدالرسول فتضيف بُعدا دراميا مختلفا من خلال شخصية الجدة التي تمثل الحكمة والخبرة، لكنها تحمل في الوقت نفسه أسرارا قديمة تعود لتؤثر على الحاضر. وجودها يربط بين الماضي والحاضر، ويطرح فكرة أن الذاكرة العائلية ليست مجرد حكايات تُروى، بل إرثًا نفسيا يمتد تأثيره عبر الأجيال.

وتتواصل الحبكة عبر شخصيات الأبناء، حيث تقدم نهى عابدين شخصية امرأة شابة تواجه أزمة ثقة في محيطها العائلي، وتكافح لإيجاد صوتها الخاص وسط شبكة من التوقعات.

وتلعب يارا يوسف دور فتاة تحاول إثبات ذاتها في عالم لا يمنحها فرصًا سهلة، ما يعكس ضغوطًا اجتماعية تعيشها شريحة واسعة من الشباب.

وتقدم كل من جالا هشام وريتال عبد العزيز صورة لجيل جديد يعيش صراعًا دائمًا بين الحرية والمسؤولية، والرغبة في الاستقلال والخوف من فقدان الانتماء. هذه الشخصيات تضيف طبقات إنسانية متنوعة، وتمنح العمل حيوية تعكس تعدد وجهات النظر داخل الأسرة الواحدة.

وترسم الحلقات الأولى ملامح الصراع الأساسي، إذ يبدأ التوتر بعد اكتشاف وثائق قديمة تكشف علاقة خفية تربط أحد أفراد الأسرة بماضٍ معقد.

هذا الاكتشاف يشعل سلسلة من المواجهات، تتراوح بين العاطفي والقانوني، وتضع الجميع أمام اختبارات صعبة. ومع تقدم الأحداث، تتصاعد التوترات لتصل إلى ذروتها في منتصف الموسم، حين تنكشف الحقيقة كاملة، ما يفرض على الشخصيات إعادة تقييم اختياراتهم ومواقفهم، ويجبرهم على مواجهة أنفسهم قبل مواجهة الآخرين.

وعبّر ماجد الكدواني عن حماسه للعمل قائلاً إن "المسلسل يطرح أسئلة حقيقية عن معنى الأسرة، وعن المساحات التي نخفي فيها ضعفنا. الشخصية قريبة جدا من الناس، وهذا ما جذبني لها".

من جانبها، أكدت يسرا اللوزي أن العمل يركز على التفاصيل الإنسانية الدقيقة، مشيرة إلى أن "النص يقترب من واقع البيوت المصرية دون تجميل أو مبالغة، وكل شخصية لديها دوافع واضحة، فلا يوجد خير مطلق أو شر مطلق".

وأوضحت عارفة عبد الرسول، أن دورها يمثل جيلا يحمل ذاكرة العائلة، مؤكدة أن "الماضي في هذا العمل ليس مجرد ذكريات، بل قوة حية تؤثر على الحاضر".

وأوضح المنتج أحمد الجنايني أن الهدف من المسلسل هو تقديم دراما تمس الجمهور دون افتعال، عبر بناء عالم واقعي يشعر المشاهد أنه يعرف شخصياته.

وتقدم القضايا المطروحة (مثل فجوة الأجيال، وضغوط العمل، وتأثير الماضي على الحاضر) من خلال مواقف درامية طبيعية، بعيدا عن الخطاب المباشر، ما يتيح للمشاهد مساحة للتفكير والتأمل.

ومع اقتراب الحلقات الأخيرة، تتجه الأحداث نحو مواجهة كبرى تجمع أفراد العائلة، حيث تصبح المصارحة هي السبيل الوحيد للنجاة. لا تقدم النهاية حلولا سهلة أو مثالية، بل تترك مساحة للتأمل في معنى الغفران وإعادة البناء، مؤكدة أن الأسرة ليست كيانًا خاليًا من الشقوق، بل منظومة قادرة على التعافي إذا توفرت الإرادة.

يتوقع نقاد أن يحظى المسلسل باهتمام واسع، نظرا لتوازنه بين الطرح الإنساني والأداء التمثيلي القوي، إضافة إلى قدرته على ملامسة واقع الأسرة المصرية. وبينما تتكشف الحكاية حلقة بعد أخرى، يبقى السؤال الأساسي حاضرًا: هل يمكن للأسرة أن تتجاوز أزماتها عندما تواجه الحقيقة كاملة؟ المسلسل يقترح أن الإجابة لا تكمن في إنكار الألم، بل في القدرة على الاعتراف به، وتحويله إلى نقطة بداية جديدة.