برايان آدامز يحيي أمجاد دقة الأثرية
تونس ـ أحيا أسطورة الروك برايان آدامز مساء الأحد حفلا استثنائيا على ركح المسرح الروماني بمدينة دقة، أحد أبرز المواقع الأثرية في تونس، مقدّما عرضا طغت عليه القوة التعبيرية والتفاعل العاطفي مع جمهور متنوع غصّت به مدارج المعلم العريق.
ويأتي هذا الحفل، وهو الثاني للفنان في المكان ذاته، تتويجا لنجاح عرضه يوم 2 ماي الذي شهد نفادا كاملا للتذاكر، حيث تجاوز عدد الحضور في السهرتين ثلاثة آلاف متفرّج من مختلف الأجيال.
منذ اللحظات الأولى، فرض آدامز حضوره الفني الطاغي، إذ تماهى الجمهور مع أشهر أعماله، مردداً أغانيه الشهيرة مثل "صيف 1969" و"الجنة" و"كل ما أفعله، أفعله من أجلك"، في لحظات استحضرت ذاكرة موسيقية جماعية امتزجت فيها الحماسة بالحنين. كما حافظ الفنان على نسق أدائي حيوي، عزّزه حضور ركحي لافت وتواصل مباشر مع الجمهور الذي ظل متفاعلاً طوال السهرة.
ورغم غياب فرقته الموسيقية كاملة، تمكن آدامز بفضل خبرته الطويلة من تعويض هذا النقص عبر عزف متقن على آلة القيثارة، متحكما في ديناميكية الأداء متنقلا بسلاسة بين نبرات هادئة مشحونة بالعاطفة وأخرى أكثر اندفاعا، في تفاعل دقيق مع آلة البيانو التي لم يقتصر دورها على المرافقة، بل اضطلعت بوظيفة حوارية.
وقد تشكّل من هذا التلاقي نسيج صوتي متماسك يراوح بين البساطة التعبيرية والثراء الهارموني.
هذا التوازن بين القيثارة والبيانو أضفى على العرض عمقا فنيا لافتا، إذ تحوّل الأداء من مجرد تقديم لأغانٍ معروفة إلى إعادة تشكيلها ضمن رؤية حية تستثمر في التلوين الصوتي والتصعيد الإيقاعي، ما مكّن الجمهور من معايشة العمل الموسيقي في بعده الحي، وأبرز قدرة الفنان على توظيف الحد الأدنى من العناصر لإنتاج أثر سمعي مكثف ومؤثر.
وقد اتسمت أجواء الحفل بطاقة استثنائية، حيث توافد عشاق الموسيقى من مختلف جهات البلاد وخارجها لمواكبة هذا الحدث، الذي وصفه العديد منهم بتجربة فريدة جمعت بين جودة الأداء الفني وعظمة الفضاء الأثري. ولم يخف برايان آدامز، في فواصل بين الأغاني، إعجابه بتونس وبخصوصية المسرح الروماني بدقة، المدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، مؤكدا أن الوقوف على ركحه يمثل تجربة استثنائية في مسيرته الفنية.
ويُعد المسرح الروماني بدقة، الذي استضاف برايان آدامز، من أبرز هذه المعالم، إذ يعود بناؤه إلى القرن الثاني الميلادي، وكان يتسع لآلاف المتفرجين، ويعكس براعة الهندسة الرومانية في المزج بين الوظيفة الجمالية والعملية.
إلى جانب دقة، يبرز المسرح الروماني بقرطاج، الذي يُعد من أكبر المسارح في شمال إفريقيا، ويستضيف سنوياً مهرجان قرطاج الدولي، أحد أهم التظاهرات الفنية في المنطقة.
ويختزل هذا المسرح، المطل على البحر الأبيض المتوسط، يختزل تاريخاً طويلاً من التبادل الثقافي، حيث تحوّل من فضاء للعرض الروماني القديم إلى منصة للفنون الحديثة، يجمع بين الموسيقى العالمية والهوية المحلية.
كما يبرز المسرح الروماني بسبيطلة، الذي يعكس بدوره عظمة العمارة الرومانية في تونس الداخلية، ويشهد على دور المدن الصغيرة في احتضان الثقافة والفنون. هذه المسارح ليست مجرد أطلال أثرية، بل فضاءات حية تستعيد دورها في الحياة الثقافية المعاصرة، حيث يلتقي فيها الماضي بالحاضر في مشهد يختصر هوية تونس المتعددة.
وتتجاوز أهمية هذه المسارح بعدها الفني لتشكل جزءا من الذاكرة الجماعية للشعب التونسي. فهي مواقع مدرجة ضمن التراث العالمي، وتُعد شاهدا على تواصل الحضارات التي مرّت بالبلاد. كما أنها تسهم في تعزيز السياحة الثقافية، إذ تجذب آلاف الزوار سنوياً، وتوفر منصة للتفاعل بين الفنانين والجمهور في فضاءات تحمل عبق التاريخ.
ويعكس حفل برايان آدامز في دقة كيف يمكن للمسارح التاريخية أن تتحول إلى جسور بين الثقافات، حيث يلتقي صوت الروك الغربي مع صمت الحجارة العتيقة، في تجربة سمعية وبصرية متكاملة. هذا التلاقي بين الماضي والحاضر يعزز مكانة تونس كوجهة ثقافية عالمية، ويؤكد أن المسارح التاريخية ليست مجرد مواقع أثرية، بل فضاءات قادرة على احتضان الإبداع المعاصر.
وبينما يواصل مسرح دقة تأكيد قدرته على استضافة التظاهرات الفنية العالمية، يظل السؤال الأهم هو كيف يمكن الحفاظ على هذه المواقع وصونها للأجيال القادمة، لتبقى شاهدة على تاريخ طويل من التفاعل الحضاري، ومسرحاً مفتوحاً للإبداع الإنساني.