سوريا وطريق قطر وتركيا مع مصر

الزيارة التي أداها الشيباني إلى مصر كسرت جانبا مهما في مسار الجمود السياسي الذي خيّم على العلاقة بين القاهرة ودمشق.

القاهرة- كسرت الزيارة التي قام بها وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني لمصر يوم الأحد، جانبا مهما في مسار الجمود السياسي الذي خيّم على العلاقة بين القاهرة ودمشق الفترة الماضية. فهي أول زيارة رسمية لمسؤول سوري رفيع لمصر. كل الزيارات التي تمت للقاهرة واللقاءات والمحادثات التي جرت بين كبار المسؤولين في البلدين كانت على هامش مؤتمرات إقليمية ودولية. آخرها لقاء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ونظيره السوري أحمد الشرع في قبرص، على هامش القمة العربية الأوروبية التشاورية في أبريل/نيسان الماضي.

جاءت زيارة الشيباني في خضم أربعة سياقات رئيسية. الأول سياسي: ويتعلق بالرغبة في تنقية الأجواء بين البلدين، لما تحمله الخلافات من أضرار بالغة في هذه المرحلة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط بتحولات عاصفة يمكن أن تمس ما تبقى من قوة صلبة تلعب دورا في الحفاظ على مركزية العلاقات التاريخية بين القاهرة ودمشق. فهناك جهات فاعلة فيهما ترغب في البحث عن صيغة لتصفير المشكلات، وأخرى إقليمية تريد جمع شملها، لأن استمرار الهوة يتسبب في أزمة يصعب تطويقها مستقبلا.

الثاني أمني: من المتوقع أن تحمل الحرب الإيرانية الكثير من الارتدادات على المنطقة. ولضعف الهياكل الأمنية وعدم ترتيب الأوضاع بصورة كاملة في سوريا يمكن أن تتعرض لتحديات إقليمية عميقة، لن تكون في صالح الدولة المصرية أيضا، حيث تنظر القاهرة إلى سوريا كركيزة في منظومة الأمن القومي العربي، وتعرضها لمزيد من الخلل والتدخلات من الإسرائيلية سوف يؤثر على الأمن المصري، ما يفرض تقليص الخلافات والحفاظ على حد أدنى من التوافق بين البلدين.

الثالث اقتصادي: على الرغم من الفجوة السياسية التي ظهرت بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في دمشق، غير أن الاستثمارات السورية في مصر تضاعفت عما كانت عليه بعد رحيله. حسب بعض التقديرات تجاوزت الـ23 مليار دولار. وهناك آلاف الشركات السورية تنشط في مصر وتستوعب الكثير من العمالة المحلية. يتعزز هذا المسار مع افساح المجال لتطوير العلاقات الاقتصادية على المستوى الرسمي مؤخرا. حيث قام وفد اقتصادي مصري كبير بزيارة دمشق في يناير/كانون الثاني الماضي. وجرت مباحثات حول اتاحة الفرصة للمشاركة في مشروعات إعادة إعمار سوريا.

الرابع إنساني- قانوني: نشر أفراد من الجالية السورية في مصر معلومات على مواقع التواصل الاجتماعي تحدثت عن مضايقات قانونية واجتماعية لتجديد الاقامة، وفرض رسوم عالية لتجديدها. ما اعتبره سوريون استهدافا متعمدا لإجبارهم على الرحيل. تفاعل الأمر بين جمهور من البلدين وتصاعد إعلاميا بشكل أشار إلى وجود أزمة من الواجب تدخل الجهات الرسمية لاحتوائها قبل أن تستفحل وتصعب عملية السيطرة عليها. تمت مناقشة هذا الملف خلال زيارة الشيباني لإطفاء حرائق أشعلها رواد على بعض المنصات، خلقت ظروفا غير مواتية أمام الجالية السورية في مصر.

لم يبدأ الشيباني زيارته للقاهرة من فراغ. إذ توجد روافع اجتماعية وثقافية وتاريخية كبيرة بين السوريين والمصريين. ما يساعد على تصفية بعض المشكلات العالقة على الصعيدين الإنساني والقانوني. ودعم البوصلة نحو تطوير العلاقات على المستوى الاقتصادي. في ظل شبكة واسعة من المصالح بإمكانها المساهمة في الحفاظ على الصورة الإيجابية الراهنة، والسعي نحو توسيع نطاقها في المستقبل القريب. خاصة إذا منحت دمشق حصة جيدة للقاهرة في مشروعات إعادة الإعمار.

ثمة مشكلة رئيسية عالقة، يمكن أن تعكر صفو العلاقات بشأن الموقف المتباين من الجماعات الإسلامية. القاهرة لديها موقفا متشددا بعد منح بعض المصريين الجهاديين الجنسية السورية وتعيين بعضهم في مناصب رفيعة داخل المؤسسة العسكرية. لم تبد القيادة في دمشق ليونة تقنع القاهرة بدوافع خطوة لعبت دورا في التباعد بين البلدين منذ صعود نظام الرئيس أحمد الشرع. فشل الطرفان في التوصل إلى حلول مقنعة. كل طرف لا يريد التنازل عن رؤيته. إزاء هذه الفجوة كان من الضروري التفكير في طريق ثالث ينحي هذه المسألة جانبا ويخفف من حدة التوترات السياسية.

يعتمد الطريق الثالث على إعادة انتاج التجربة المصرية مع كل من قطر وتركيا. في ذروة خلافات القاهرة مع الدوحة وأنقرة، استخدم ملف احتضان جماعات الإسلام السياسي من قبلهما كورقة للضغط على مصر. عندما بدأت العلاقات تتحسن لم تظهر علامات مرونة من قطر وتركيا. ظلت كلاهما محتفظة بعلاقاتها مع قيادات وكوادر تنظيم الإخوان. رفضتا تسليم بعض المطلوبين والمتهمين في قضايا جنائية لمصر.

كاد هذا الملف أن ينسف التقارب مع القاهرة. في لحظة معينة بدت فكرة تجميده خيارا لجميع الأطراف لتنجح التسوية السياسية. انتهت الأزمة المعلنة وتوقف قطار العلاقات عند محطة جيدة للمصالحة حققت هدفها في التهدئة والتطبيع الدبلوماسي. ارتقت تاليا إلى مستوى متقدم من التفاهمات حول عدد من القضايا الإقليمية. وضع ملف جماعة الإخوان وأعوانها على الرف لتجنب العودة إلى المربع الأول من التراشقات. لكن السؤال هنا، هل سوريا تستطيع تكرار تجربة قطر وتركيا مع مصر؟

مع ضخامة السؤال، إلا أن الإجابة تستوجب التفرقة بين الدول الثلاث. قطر استخدمت تيار الإسلام السياسي والانفتاح على بعض القيادات الجهادية كأداة من أدوات السياسة الخارجية. نجحت وأخفقت في توظيفها لخدمة أهدافها. عندما وجدتها تمثل عقبة لعودة علاقاتها مع مصر خففت الرهان عليها وقلصت استثمارها في دعم التوجهات الخارجية. توصلت الدوحة إلى توافقات ضمنية مع القاهرة. بموجبها تم اللجوء إلى خيار التجميد كصيغة وسط مرضية مؤقتا لمصر. ولا تبدو قطر كمن ضحت بحلفائها.

بينما تعامل تركيا مع جماعات إسلامية هو جزء من عقيدتها السياسية. أحد مكونات حزب العدالة والتنمية الحاكم في أنقرة ينحاز إليه. من الطبيعي وجود انسجام بينهما في بعض القضايا. عندما تيقنت أنقرة حاجتها للمصالحة مع القاهرة كشفت عن براغماتية ومرونة في موقفها من عناصر الإخوان. من خلال تضييق مساحة الحركة الإعلامية على البعض، وسحب الجنسية عن فئة ثانية، وطرد ثالثة إلى خارج البلاد، وتسليم عدد محدود (ما دون القيادات) لمصر لابداء حسن نوايا يسمح بتطوير العلاقات معها. بكلام آخر تم تجميد الملف بالطريقة التي بدت مرضية للجميع.

الأمر بالنسبة لسوريا يختلف كثيرا عن حالتي قطر وتركيا. جماعات الإسلام السياسي هي المكون الرئيسي في السلطة بدمشق. ليست أداة وظيفية كما هو حال الدوحة، أو جزء من مكونات الحزب الحاكم في أنقرة. اللجوء إلى خيار تهميش أو تجميد هذا الملف مع القاهرة أمر غير ممكن ولن ينطلي على الأخيرة، ولو أوحت دمشق به. ما يشير إلى أنه سوف يظل عقبة في طريق أي تطوير حقيقي للعلاقات بين البلدين.