'محور الظل': من يحدد مصير وثيقة ترامب لإنهاء الحرب؟

مستقبل وثيقة ترامب ومعه مصير هذه الحرب قد لا يحسم في طهران أو واشنطن، بل في العواصم التي تدير الصراع من خلف الستار.

في كل حرب يظهر ما يوصف بـ"محور الظل" وهي مجموعة دول قد تتباين استراتيجياتها لكنها تتفق على دعم أحد طرفي الصراع على حساب الآخر بهدف استنزافه.. في الغالب هذا "المحور" لا يكون له دور في قرار بدء الحرب لكن من المؤكد أن له كلمة حاسمة في صياغة النهاية تبعاً لما قدمه من دعم.

في الحرب الأميركية - الإيرانية، يمثل هذا المحور دول (روسيا، الصين، وكوريا الشمالية)، التى نجحت في تقديم دعم لإيران عسكرياً واقتصادياً وسياسياً - وهذا ما أشارت له تقارير غربية - في مواجهة قوى عظمى مثل الولايات المتحدة.

وإذا كانت التسريبات التي كشفها موقع "أكسيوس" عن وثيقة اتفاق أميركية لإنهاء الحرب، انطلاقاً من مبدأ "التفاوض الحرج"؛ بالابتعاد عن فرض إملاءات، والبدء بمعالجة اختلالات القوة الهيكلية، فإنها لم تحدد بعد موقف إيران أو داعميها من الوثيقة.

الاتفاق المبدئي جاء من صفحة واحدة، للتركيز فقط على نقاط الاتفاق أو على الأقل التي يمكن التفاهم حولها، على أن يكون الانتقال إلى القضايا محل الخلاف في مرحلة لاحقة. ورغم أن الرد الإيراني على بنود الوثيقة لم يعلن بعد، إلا أن هناك تفاؤلاً بقبولها خاصة أنها تعلق تنفيذ كل البنود على التوصل لإنهاء الحرب.

ويبدو أن الولايات المتحدة في عجلة من أمرها لإنهاء الأزمة، وأبدى الرئيس دونالد ترامب تفهماً بتعليقه عمليات تأمين الملاحة في مضيق هرمز، بناءً على طلب من إيران. لكن المسؤولين الأميركيين برروا تراجع ترامب بأنه تجنب لانهيار وقف إطلاق النار الهش.

على كل حال، فالبنود المتفق عليها، هي أقرب صيغة اجتمع عليها الطرفان الأميركي والإيراني منذ بداية الحرب. وتتضمن التزام إيران بوقف التخصيب النووي لمدة قد تزيد على 12 عاماً، وإخراج اليورانيوم المخصب من البلاد، وعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، وإنشاء نظام مراقبة معزز لبرنامجها النووي، مقابل رفع العقوبات الأميركية والإفراج عن المليارات من الأموال الإيرانية المجمدة، ورفع الطرفين للقيود المتعلقة بعبور مضيق هرمز تدريجياً.

لكن الصيغة بوضعها الراهن، لا يمكن أن تمثل اتفاقاً، بقدر ما أنها محاولة لبناء الثقة بين الطرفين، وبالنظر إلى مضمون النص، فإننا يمكننا استنتاج بعض الملاحظات، منها أن هناك تنازلاً من نوع ما قدمته واشنطن بعد أن استنفدت كل أوراقها المباحة للضغط على طهران للقبول بإعلان النصر الأميركي عليها.

ليس هذا فحسب، بل تمكن المفاوض الإيراني من استخدام ورقة مضيق هرمز، وما تمثله من تأثير على الاقتصاد العالمي لتغيير دفة المفاوضات وتحويلها من قضية فرعية لم تكن أصلاً مدرجة ضمن أسباب الحرب، لتصبح "جوكر" اللعبة خاصة بعد النتائج غير المبشرة من عملية التأمين الأميركية.

من جانبها طهران ما زالت ماضية على كافة المسارات الأخرى، حيث يقوم وزير خارجيتها بزيارة إلى بكين، قبل يومين من مشروع قرار مقترح ستتقدم به واشنطن إلى مجلس الأمن لفتح مضيق هرمز عسكرياً، ربما في إشارة لحث الصين على استخدام "الفيتو" لعرقلة القرار.

لعبة الوقت إذا كانت قاسية على طهران، فهي أشد قسوة على الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين الذين رفضوا الانخراط معها في هذا الصراع. خاصة وأن سقف استخدام القوة العسكرية اقترب من نهايته دون حسم الحرب، البدائل والأوراق الدبلوماسية تتسرب وبعضها يحترق بسبب تعنت طهران المدعومة من "محور الظل"، الذين يرون أن مكاسب تتعزز على مدار الساعة وتخصم من رصيد هيبة واشنطن كلما استمرت حالة اللاحرب واللاسلم في الخليج. وهو ما يزيد أيضاً من عزلتها تحت وطأة حرب وصلت تداعياتها إلى الشارع الأمريكي.

وهذه هي اللحظة المناسبة للخروج بالوثيقة من خلال "التفاوض الحرج" الذي يحدث في ظروف استثنائية ومعقدة، حيث تكون المخاطر عالية جداً والخيارات محدودة، ومصير استراتيجي كبير على المحك.

وربما هذا ما قررته إدارة الرئيس دونالد ترامب مع وجود ضغط زمني مكثف، حيث لم تعد الأطراف تملك رفاهية الوقت للمناورة الطويلة. والفشل لم يعد مجرد خسارة "صفقة" بل قد يؤدي إلى تداعيات كارثية مثل اندلاع نزاع مسلح، أو انهيار اقتصادي كامل، أو أزمة دبلوماسية لا يمكن الرجوع عنها.

فضلاً عن الضغط النفسي والسياسي الذي يقع تحته المفاوض الأميركي من رأي عام يتراجع عن تأييد الحرب، واقتصاد يعاني، وحلفاء تركوه تحت النار يصيغ مواقف سياسية دون مكاسب ملموسة.

لكن المشهد ليس بهذه البساطة، فالأطراف التي دعمت طهران طوال الحرب عسكرياً واقتصادياً وسياسياً والمقصود هنا "محور الظل" لديها أيضاً أهداف وأغراض تسعى لتحقيقها، وقد تدفع إيران لرفض "الوثيقة" إذا لم ترَ أنها تحقق مبتغاها. حيث يرى هذا الثلاثي أن ترامب، بقراره الدخول في حرب مع إيران، قد قدّم لهم "هدية استراتيجية" تسرّع من وتيرة التحول نحو عالم متعدد الأقطاب، معتبرين أن طهران الآن تمثل رأس الحربة التي يجب أن تظل عالقة في الخاصرة الأمريكية لأطول فترة ممكنة لإضعافها.

هذا المحور، وفق المعطيات، يمارس عملية الإضعاف بتكلفة منخفضة نسبياً؛ فهو لا يسعى إلى هزيمة واشنطن عسكريًا، بل دفعها تدريجياً إلى خيار الانسحاب من الصراع باعتباره الأقل خسارة.

والرسالة الأهم التي يريدون إيصالها هي أن الهيبة التي استثمرت فيها الولايات المتحدة تريليونات الدولارات يمكن خدشها، بل والإضرار بها.

بالتالي، فان مستقبل وثيقة ترامب ومعه مصير هذه الحرب قد لا يحسم في طهران أو واشنطن، بل في العواصم التي تدير الصراع من خلف الستار، حيث تُصاغ النهايات بعيداً عن ساحات القتال، لتحقيق أهداف استراتيجية قد تعيد تشكيل خريطة القوى الدولية.