'تريندز' تسلط الضوء في الرباط على تمدد الاخوان ومقاربات المواجهة
الرباط - تواصل مجموعة 'تريندز' ترسيخ حضورها البحثي والمعرفي في الفضاء العربي والدولي، عبر إصدارات تسعى إلى قراءة التحولات السياسية والفكرية والتكنولوجية بلغة تحليلية تتجاوز الانطباعات السطحية نحو تفكيك الظواهر المعقدة بأدوات علمية ومقاربات متعددة المستويات.
وأطلقت المجموعة، من خلال مكتبها الافتراضي في المغرب وضمن مشاركتها في معرض الرباط الدولي للنشر والكتاب 2026، ثلاثة إصدارات جديدة تعكس اتساع أجندتها البحثية، وتؤكد توجهها نحو إنتاج معرفة قادرة على تفسير التحولات الإقليمية والدولية وربطها بسياقاتها السياسية والاستراتيجية.
وشملت الإصدارات الجديدة الجزء الثاني من كتاب 'الإخوان المسلمون.. تجارب التمدد ومقاربات المواجهة'، وكتاب 'دبلوماسية الفضاء والثقة بين الدول.. الإمارات العربية المتحدة والمنطق الإستراتيجي للتعاون الفضائي العربي'، إضافة إلى النسختين العربية والفرنسية من مؤشر 'نفوذ الإخوان المسلمين على المستوى الدولي 2025'.
ويبرز من خلال هذه الإصدارات حرص 'تريندز' على الجمع بين التحليل السياسي والاستشراف المستقبلي، في مقاربة لا تكتفي بوصف الظواهر، بل تعمل على فهم دينامياتها الداخلية وتحولاتها العابرة للحدود، سواء تعلق الأمر بالحركات الأيديولوجية أو بالتكنولوجيات الحديثة التي أصبحت جزءاً من أدوات النفوذ والقوة الناعمة في العالم.
وفي مقدمة هذه الإصدارات، يأتي الجزء الثاني من كتاب 'الإخوان المسلمون.. تجارب التمدد ومقاربات المواجهة'، بوصفه محاولة بحثية معمقة لفهم كيفية تحرك الجماعة داخل بيئات سياسية واجتماعية مختلفة، من مصر والأردن إلى موريتانيا وفرنسا وإيطاليا.
ويكشف الكتاب أن الجماعة نجحت تاريخياً في إعادة التموضع وفق طبيعة كل بيئة، مستفيدة من الهياكل الاجتماعية والشبكات الدعوية والفضاءات السياسية المفتوحة.
غير أن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في رصد تجارب التمدد، بل في تفكيك آليات المواجهة وحدودها، فالكتاب يخلص إلى أن المقاربات الأمنية الصلبة قد تحقق انكماشاً تنظيمياً سريعاً، لكنها لا تضمن استدامة المعالجة، في حين يسمح الاحتواء المفتوح بإعادة بناء الشبكات التنظيمية بأشكال أكثر مرونة. ومن هنا يطرح مفهوم "الإدارة الذكية منخفضة المخاطر"، التي تمزج بين الأدوات القانونية والرقابية والأمنية، مع التنسيق المؤسسي العابر للحدود.
وتكشف هذه المقاربة عن توجه بحثي واقعي يعتمد قراءة مركبة للظاهرة بعيداً عن التبسيط أو الأحكام الجاهزة، إذ يربط مستقبل الجماعة بثلاثة متغيرات حاسمة، أولها التحول الرقمي وانتقال النشاط إلى الفضاء الإلكتروني، بما يفرض تطوير أدوات رقابة وتحليل بيانات متقدمة.
أما المتغير الثاني فيتعلق بمستوى التنسيق الإقليمي والدولي، باعتبار أن المعالجات الوطنية المنفردة تفقد فعاليتها أمام الشبكات العابرة للحدود، فيما يرتبط المتغير الثالث بديناميات البيئة الداخلية لكل دولة، من حيث الانفتاح السياسي والأداء الاقتصادي ودور المؤسسات الدينية الرسمية في ملء الفراغ الدعوي.
ومن خلال هذا الطرح، يقدم الكتاب نموذجا لتحليل الظواهر الأيديولوجية وفق تفاعلاتها السياسية والاجتماعية والتكنولوجية، في ابتعاد واضح عن المقاربات الاختزالية التي تفسر الظاهرة من زاوية واحدة فقط. كما يؤكد أن نجاح السياسات المرتبطة بالمواجهة يظل رهيناً بقدرة الدول على تكييف أدواتها مع خصوصياتها المحلية، لأن السياسات المستنسخة تفقد فعاليتها عندما تُنقل من سياق إلى آخر دون مراعاة الفوارق البنيوية.
وفي موازاة ذلك، يفتح كتاب 'دبلوماسية الفضاء والثقة بين الدول' نافذة على مجال جديد من مجالات العلاقات الدولية، حيث لم يعد الفضاء الخارجي مجرد ساحة علمية أو تقنية، بل تحول إلى أداة دبلوماسية واستراتيجية لإعادة تشكيل النفوذ وبناء الثقة بين الدول.
ويقدم الكتاب وهو من تأليف الدكتور ناصر عبداللطيف الحمادي، قراءة معمقة للتجربة الإماراتية في مجال الفضاء، باعتبارها نموذجاً عربياً صاعداً استطاع توظيف البرامج الفضائية في تعزيز القوة الناعمة وبناء الشراكات الإقليمية والدولية.
ويبين أن التعاون العلمي والمهام الفضائية المشتركة والشراكات المؤسسية يمكن أن تتحول إلى أدوات فعالة لتعزيز المصداقية والمعاملة بالمثل والموثوقية بين الدول.
وتتجلى أهمية هذا الإصدار في كونه يربط بين التكنولوجيا والجغرافيا السياسية، ويبرز كيف يمكن للمجالات عالية التقنية أن تصبح منصات لبناء الثقة في عالم تتزايد فيه المنافسة الدولية، فالكتاب لا يكتفي باستعراض التجربة الإماراتية، بل يقدم إطاراً نظرياً لفهم تأثير 'دبلوماسية الفضاء' في إعادة صياغة العلاقات الدولية، خاصة بالنسبة للقوى الصاعدة التي تسعى إلى تثبيت حضورها داخل منظومة الحوكمة العالمية.
كما يعكس هذا الطرح التحول الذي تشهده الدراسات الاستراتيجية الحديثة، حيث باتت التكنولوجيا والابتكار العلمي جزءاً من معادلات النفوذ السياسي، ولم تعد القوة العسكرية أو الاقتصادية وحدها المحدد الرئيسي لمكانة الدول.
إلى جانب ذلك، عززت 'تريندز' حضورها البحثي بإطلاق النسختين العربية والفرنسية من مؤشر "نفوذ الإخوان المسلمين على المستوى الدولي 2025"، والذي رافقته جلسة نقاشية شارك فيها باحثون ومتخصصون، ناقشوا أبرز نتائج المؤشر المتعلقة بتراجع نفوذ الجماعة إقليمياً ودولياً.
وكشف المؤشر عن انتقال مركز الثقل الإخواني من العالم العربي إلى الفضاءات الغربية والآسيوية، في تحول يعكس طبيعة التغيرات التي تشهدها الجماعة بعد سنوات من الضربات السياسية والتنظيمية والإعلامية. كما أظهر المؤشر تراجع تأثير الآلة الإعلامية للجماعة، نتيجة فقدان المصداقية وتصاعد الخلافات الداخلية والتشظي التنظيمي.
وتؤكد هذه الإصدارات مجتمعة أن 'مجموعة تريندز'، التي تأسست عام 2014 في أبوظبي وتحولت إلى مجموعة بحثية متكاملة سنة 2026، باتت تراهن على إنتاج معرفة استراتيجية تستشرف المستقبل وتقرأ التحولات العالمية بأدوات علمية حديثة، مستفيدة من شبكة واسعة من الشراكات البحثية والأكاديمية الدولية.
ومن خلال مشاركتها الثانية في معرض الرباط الدولي للنشر والكتاب، حيث تعرض نحو 450 إصداراً معرفياً داخل جناحها بفضاء OLM السويسي، تكرس 'تريندز' حضورها كمؤسسة تسعى إلى تحويل البحث العلمي إلى منصة لفهم التحولات الكبرى، من تمدد الجماعات العابرة للحدود إلى صعود دبلوماسية الفضاء، في مشهد عالمي يبدو أشبه بخريطة متحركة تتغير ملامحها كل يوم.