اشتباكات مسلحة تدفع طرابلس لغلق مصفاة الزاوية مؤقتا

الاشتباكات في محيط المصفاة تكشف خطورة الميليشيات وسعيها للهيمنة على مقدرات الشعب الليبي.

طرابلس - أكدت شركة الزاوية لتكرير النفط، توقف مصفاة الزاوية عن العمل بشكل كامل، وإخلاء الميناء من الناقلات، بعد اشتباكات مسلحة في محيط المصفاة حيث تهدد الميليشيات والجماعات المسلحة قطاع النفط في ظل صراعها على النفوذ.
وقالت الشركة في بيان "ان المنطقة المحيطة بالمجمع شهدت اشتباكات مسلحة وتبادلًا لإطلاق النار منذ الساعات الأولى من صباح اليوم، وتفاقمت حدتها بشكل سريع، ما أدى إلى سقوط قذائف من عيار ثقيل داخل عدد من المواقع التابعة للشركة، ووصول بعضها إلى مناطق التشغيل الحيوية."

وأضاف البيان "أن هذه التطورات دفعت إدارة الشركة إلى اتخاذ إجراءات طارئة عاجلة شملت إيقاف المصفاة بالكامل وإخلاء الميناء من الناقلات، وذلك حفاظًا على سلامة العاملين والمنشآت النفطية والبيئة المحيطة، في ظل استمرار متابعة الوضع الميداني عبر لجنة الطوارئ المفعلة منذ يوم أمس بالتنسيق مع الإدارات المختصة".
وشددت الشركة على أن فرقها تتابع أوضاع العاملين داخل المرافق بشكل مستمر لضمان سلامتهم وتأمين احتياجاتهم، مع استمرار تقييم الأوضاع داخل المجمع النفطي معربة "عن أسفها العميق للأحداث الجارية".
وطالبت بضرورة وقف إطلاق النار فورًا، وداعية جميع الأطراف المتنازعة إلى إبعاد الصراعات المسلحة عن المناطق الحيوية داعية الجهات الرسمية في الدولة إلى التدخل العاجل لاحتواء الموقف، وضمان حماية المنشآت النفطية الحيوية، باعتبارها مرافق استراتيجية ترتبط بالصالح العام وأمن الدولة والمواطن.
وافادت أن حماية الأرواح والمنشآت النفطية تمثل مسؤولية وطنية مشتركة، محذرة من أن أي تهديد لأمن هذه المنشآت ينعكس بشكل مباشر على مقدرات الشعب الليبي واستقرار قطاع الطاقة في البلاد.

وقبل البيان تم اعلان حالة الطوارئ في المصفاة وفق ما أكد مهندسان ‌يعملان في المنشأة اليوم الجمعة.
وتقع الزاوية على بعد 40 كيلومترا غربي العاصمة طرابلس، وتضم أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا بطاقة إنتاجية ‌تبلغ 120 ألف ‌برميل يوميا. وترتبط المصفاة بحقل الشرارة النفطي ‌الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 300 ألف برميل يوميا.

وطالب مركز طب الطوارئ والدعم في مكتب الزاوية سكان المدينة بالتزام منازلهم وعدم التنقل إلا في الحالات الضرورية، بالتزامن مع استمرار الاشتباكات التي تشهدها المدينة منذ صباح الجمعة.

وجاءت هذه التطورات بعد وقت قصير من إعلان مديرية أمن الزاوية بدء حملة أمنية موسعة لملاحقة العناصر المتورطة في زعزعة الاستقرار والإخلال بالأمن داخل المدينة، بالتنسيق مع الغرفة الأمنية المشتركة وعدد من الأجهزة التابعة لوزارة الداخلية، في إطار جهود تستهدف فرض النظام وملاحقة المطلوبين للقضاء والمتهمين بأعمال تهدد السلم العام.
وليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها اعلان حالة الطوارئ او القوة القاهرة في المصفاة بسبب اعمال العنف تقوم بها الجماعات المسلحة ما يؤثر على انتاج البلاد من الطاقة.
وتنتج ليبيا أكثر من مليون برميل من النفط الخام في اليوم، إلا أن مؤسساتها النفطية شهدت خلال السنين الأخيرة عدة اختراقات أدت في أوقات عديدة إلى إيقاف مؤقت للإنتاج.
ومن أبرز سمات المشهد الأمني في الزاوية تعدد الولاءات؛ إذ ترتبط بعض الجماعات اسماً أو عملياً بوزارة الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبدالحميد الدبيبة عبر صيغ "الأجهزة الأمنية"، بينما يحتفظ بعضها الآخر بهامش استقلالية واسع ويعمل وفق حسابات محلية أو اقتصادية. هذا التداخل جعل السيطرة الأمنية الموحدة على المدينة أمراً معقداً.
واقتصادياً، ترتبط بعض التشكيلات المسلحة بطرق غير رسمية بإدارة المعابر البرية والأنشطة المرتبطة بالوقود، خصوصاً في ظل وجود منشآت نفطية حساسة داخل نطاق المدينة. وقد أدت هذه السيطرة غير المباشرة إلى اتهامات متكررة بوجود تهريب وقود وعمليات ابتزاز مالي مرتبطة بالنشاط الأمني.
كما شهدت الزاوية في فترات سابقة اشتباكات متقطعة بين مجموعات مسلحة متنافسة، غالباً ما تكون دوافعها السيطرة على مواقع استراتيجية أو موارد مالية، أو إعادة توزيع النفوذ داخل المدينة. هذه الاشتباكات كانت تنتهي عادة بوساطات محلية أو تدخلات من قوى أمنية من طرابلس.
وفي السنوات الأخيرة، حاولت حكومة الوحدة الوطنية دمج عدد من هذه التشكيلات ضمن أجهزة رسمية مثل الشرطة أو ما يُعرف بـ"الأمن العام"، لكن العملية ظلت جزئية ولم تؤدِّ إلى إنهاء الازدواجية الأمنية.
وسياسياً، تُعتبر الزاوية جزءاً من خريطة التوازنات بين مدن الغرب الليبي، ما يجعل أي تغيير في موازين القوة فيها مؤثراً على الوضع الأمني في طرابلس ومحيطها. لذلك، تُراقب تطوراتها باستمرار من قبل أطراف داخلية وخارجية مهتمة بالاستقرار في الساحل الغربي.
ورغم الدعوات المحلية والإقليمية والدولية لمواجهة ظاهرة سطوة الميليشيات ومنع تغلغلها في مؤسسات الدولة وسعيها للسيطرة على مقدرات الشعب الليبي والاضرار باقتصاده لكن كل تلك المحاولات فشلت في وضع حد لتلك الجماعات المتنفذة والمتصارعة.