إسرائيل استخدمت قاعدة ظل فوق رمال العراق في ضرب ايران
واشنطن - أفادت صحيفة وول ستريت جورنال نقلا عن مسؤولين أميركيين ومصادر مطلعة، بأن إسرائيل أنشأت قاعدة عسكرية سرية في الصحراء العراقية لدعم عملياتها الجوية ضد إيران وذلك قبيل شن إسرائيل حربا على إيران وذلك بعلم من الولايات المتحدة.
وذكرت الصحيفة أن القاعدة ضمت قوات خاصة ومركزا لوجستيا تابعا لسلاح الجو الإسرائيلي، إضافة إلى فرق بحث وإنقاذ خُصصت للتعامل مع احتمال سقوط طيارين إسرائيليين داخل العراق أو إيران، في مؤشر على اتساع نطاق المواجهة بين تل أبيب وطهران داخل الأراضي العراقية.
وسلطت هذه المعلومات الضوء على تحول نوعي في طبيعة المواجهة بين تل أبيب وطهران، مع انتقالها من الضربات الجوية التقليدية إلى بناء بنى ميدانية واستخباراتية داخل مناطق توصف بأنها رخوة أمنيا، بينما كانت تقارير غربية سابقة قد أشارت إلى أن الساحة العراقية باتت ساحة مفتوحة منذ العام 2003 على اختراقات استخباراتية خطيرة.
وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن إسرائيل لم تعد تكتفي بتنفيذ عمليات عابرة ضد أهداف مرتبطة بإيران، بل اتجهت إلى إنشاء موطئ قدم لوجستي وعملياتي داخل العراق لتأمين دعم مباشر لحملتها الجوية، بما في ذلك نشر قوات خاصة وفرق إنقاذ تحسبا لأي طارئ ميداني.
كما تعيد هذه التسريبات تفسير سلسلة الحوادث الأمنية التي شهدتها البادية العراقية خلال الأشهر الماضية، خصوصا حادثة التحركات الجوية الغامضة والقصف الذي استهدف قوة عراقية خلال مهمة استطلاعية في مارس/اذار الماضي، وهي وقائع بدت آنذاك مبهمة قبل أن تربطها الصحيفة بمحاولة حماية الموقع السري من الاكتشاف.
ويعكس التقرير أيضا حجم التنسيق الأمني بين الولايات المتحدة وإسرائيل في إدارة الحرب ضد إيران، رغم نفي واشنطن المشاركة المباشرة في العمليات، إذ أن إنشاء قاعدة بهذا المستوى داخل منطقة شديدة الحساسية لا يمكن أن يتم، وفق مراقبين، من دون غطاء استخباراتي ولوجستي واسع.
وتبرز هذه التطورات حجم التحديات التي يواجهها العراق في ضبط مناطقه الصحراوية الشاسعة، في ظل تحول أراضيه مجددا إلى ساحة مفتوحة للصراع الإقليمي وتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة في المنطقة، فيما يعكس هذا التطور انتقال المواجهة بين تل أبيب وطهران إلى مرحلة "التموضع داخل الجغرافيا الرمادية" الممتدة بين الحدود العراقية والسورية.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية استثنائية لأنها تفسر، ولو جزئيا، سلسلة الحوادث الغامضة التي شهدتها البادية العراقية خلال الأشهر الماضية، خصوصا في المناطق الصحراوية الواقعة بين النجف وكربلاء والأنبار، حيث تكررت تقارير عن تحركات جوية غير اعتيادية وعمليات استطلاع مجهولة المصدر.
وتشير الرواية المنشورة إلى أن القاعدة كادت أن تُكشف بعدما أبلغ راعٍ عراقي عن تحركات مروحيات ونشاط عسكري مريب في عمق الصحراء، الأمر الذي دفع قوات عراقية للتحرك نحو المنطقة، لكن، ووفقا للتقرير، سارعت القوات الإسرائيلية إلى تنفيذ غارات جوية لإبعاد القوة العراقية ومنع اكتشاف الموقع السري.
وتُعيد هذه المعلومات تسليط الضوء على حادثة الإنزال الجوي المثيرة للجدل التي أعلنت عنها قيادة العمليات المشتركة العراقية في الخامس من مارس/اذار، عندما تحدث نائب قائد العمليات المشتركة الفريق أول الركن قيس المحمداوي عن وجود قوة أجنبية دخلت المنطقة "من دون تنسيق أو موافقة"، مؤكدا أن القوات العراقية رصدت تحركات مرتبطة بمحاولة استطلاع أو نصب أجهزة في عمق الصحراء.
ورغم أن بغداد لم تسمّ الجهة المنفذة بشكل مباشر آنذاك، فإن الربط بين حادثة القصف التي استهدفت قوة عراقية كانت تقوم بمهمة استطلاعية، وبين ما كشفته الصحيفة الأميركية، يمنح بعدا جديدا للحادثة، خصوصا أن العراق كان قد قدم لاحقا شكوى إلى الأمم المتحدة تحدث فيها عن مشاركة "قوات أجنبية" في الهجوم، مع توجيه اتهامات أولية للولايات المتحدة.
غير أن التقرير الأميركي نفى تورط واشنطن المباشر في العملية، رغم تأكيده أن القاعدة أُنشئت بعلم الإدارة الأميركية، ما يعكس طبيعة التنسيق الأمني العميق بين الولايات المتحدة وإسرائيل في إدارة الحرب ضد إيران، حتى وإن حاولت واشنطن الحفاظ على مسافة سياسية من العمليات الميدانية المباشرة داخل العراق.
ويكشف هذا التطور عن إشكالية استراتيجية تواجه العراق منذ سنوات، تتمثل في هشاشة السيطرة على المناطق الصحراوية الشاسعة التي تحولت، بعد الحرب على تنظيم داعش، إلى مسرح مفتوح للتجاذبات الإقليمية والاستخباراتية، فالصحراء الغربية العراقية، الممتدة حتى الحدود السورية، لطالما اعتُبرت ممرا لوجستيا حساسا تستخدمه أطراف متعددة، من فصائل مسلحة إلى شبكات تهريب وتحركات استخباراتية.
كما يعكس وجود قاعدة إسرائيلية سرية داخل العراق تحولا في العقيدة العملياتية الإسرائيلية، القائمة على توسيع نطاق "الحرب بين الحروب"، أي تنفيذ عمليات استباقية واستخباراتية بعيدا عن الحدود التقليدية، لمنع إيران من تثبيت بنى عسكرية أو لوجستية داعمة لحلفائها في المنطقة.
ويضع هذا الكشف الحكومة العراقية أمام تحدٍ بالغ التعقيد، إذ تجد بغداد نفسها مجددا في قلب صراع إقليمي يتجاوز قدرتها على الضبط الكامل، بينما تتزايد الضغوط الداخلية المطالبة بمنع استخدام الأراضي العراقية كساحة تصفية حسابات بين القوى الإقليمية والدولية.
وبينما لم تصدر حتى الآن مواقف رسمية إسرائيلية تؤكد أو تنفي صحة التقرير، فإن التسريبات الأخيرة تبدو كأنها تكشف جانبا من "الحرب الخفية" التي دارت بصمت فوق الرمال العراقية، حيث تختلط عمليات الاستطلاع والضربات الجوية والعمل الاستخباراتي في مشهد إقليمي يزداد اشتعالا وتعقيدا.