ايران تروج لاقتصاد 'المقاومة' في غمرة الانهيار المالي

الكثير من الإيرانيين يخشون أن تؤدي حالة 'لا حرب ولا سلام' إلى مرحلة جديدة من الركود والتضخم.

طهران - تتجه إيران إلى التركيز على الملف الاقتصادي والمعيشي، بعد الأضرار الكبيرة التي خلّفتها الحرب الأخيرة، والتي فاقمت الضغوط التي يعاني منها المواطنون أصلًا بفعل سنوات طويلة من العقوبات الغربية المشددة. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حول "انتقال الحرب إلى الاقتصاد" لتعبّر عن إدراك رسمي بأن التحدي الأكبر الذي تواجهه البلاد لم يعد عسكريًا فقط، بل يرتبط بقدرة الدولة على احتواء التدهور الاقتصادي وتحسين الظروف المعيشية.

وقال بزشكيان في اجتماع لاستعراض التقدّم المحرَز في خطّة "التركيز على الأحياء والمساجد": "بعد فشله في الحرب العسكرية، يحاول العدو نقل الحرب إلى ميدان الاقتصاد، وعلى الشعب أن يُفشل هذه المؤامرة أيضا من خلال دوره الفاعل وتكاتفه مع القيادة".

وأشار في تصريحاته إلى أن "البلاد بحاجة إلى حركة شعبية شاملة من أجل ترشيد نمط الاستهلاك وتعزيز المشاركة الاجتماعية". مضيفا "تؤدي القوات المسلحة واجبها في مواجهة العدو على أكمل وجه، وعلى الشعب أيضا أن يؤدي دوره في هذا الميدان من خلال ترشيد استهلاك الطاقة".

وخلال السنوات الماضية، واجه الاقتصاد الإيراني أزمات متراكمة نتيجة العقوبات الأميركية والغربية التي استهدفت قطاعات النفط والطاقة والمصارف والتجارة الخارجية، ما أدى إلى تراجع قيمة العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، فضلًا عن تآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
ومع اندلاع الحرب وما رافقها من اضطرابات أمنية وتكاليف عسكرية مرتفعة، ازدادت الضغوط على الأسواق الداخلية والخدمات الأساسية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للإيرانيين.

وذكر تقرير لصحيفة "فاينانشال تايمز" نهاية أبريل/نيسان الماضي أن معدل التضخم في إيران ارتفع إلى 50% حتى الرابع من الشهر نفسه، على أساس سنوي، أي قبل دخول وقف إطلاق نار هش حيز التنفيذ مباشرة، وفقاً لبيانات البنك المركزي.

ويستعد الإيرانيون لموجة جديدة من ارتفاع الأسعار وتسريح العمال، مع دفع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل بالاقتصاد الإيراني المتعثر أساساً إلى أزمة أعمق.

ولا يزال المستهلكون يشعرون بوطأة الأزمة خلال الأسابيع التي تلت الهدنة، في وقت فرضت فيه الولايات المتحدة قيوداً على حركة الملاحة في مضيق هرمز بهدف تعطيل التجارة الإيرانية.

ويتوقع محللون أن تؤدي الحرب إلى تعميق الفجوة بين نمو الأجور ومعدل التضخم. وقال مستشار الأعمال سياماك قاسمي في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إن أي زيادة في الأجور تقل عن الضعف لن تكون كافية لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.

ونصح قاسمي المواطنين بعدم الاحتفاظ بمدخراتهم بالعملة المحلية (الريال). وقد سجل الريال، الذي ظل مستقراً نسبياً خلال الحرب، أدنى مستوى تاريخي له يوم الأربعاء عند 1.8 مليون ريال للدولار، ما زاد من مخاوف تراجع القوة الشرائية.

وأعلنت بعض الشركات أنها ستضطر إلى تسريح عمال للبقاء على قيد الحياة.

وتواجه الحكومة الإيرانية تحديات كبيرة في تأمين الاستقرار الاقتصادي، في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع مستويات الدخل، إلى جانب أزمات مرتبطة بالطاقة والإنتاج الصناعي والاستثمارات الأجنبية. كما أن الحرب أثرت على حركة التجارة وسلاسل الإمداد، ودفعت السلطات إلى التركيز على سياسات "الاقتصاد المقاوم" التي تقوم على ترشيد الاستهلاك وتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج.

وفي هذا الإطار، تحاول القيادة الإيرانية الدفع نحو تعزيز المشاركة الاجتماعية والتكافل الداخلي، باعتبار أن الحفاظ على الاستقرار المجتمعي بات عنصرًا أساسيًا في مواجهة الضغوط الاقتصادية. وتراهن طهران على تماسك الجبهة الداخلية لتجاوز المرحلة الحالية، خاصة مع تنامي المخاوف من اتساع رقعة الاحتجاجات الاجتماعية الناتجة عن تراجع الأوضاع المعيشية.

وخلال أسابيع الحرب، استهدفت ضربات أميركية وإسرائيلية بنى تحتية مدنية تشمل الطرق ومنشآت الغاز والبتروكيماويات والصلب، التي توظف عشرات الآلاف، ما زاد من تدهور اقتصاد يعاني بالفعل من سنوات من العقوبات وسوء الإدارة والفساد.

ورغم توقف القتال بموجب الهدنة، فإن المفاوضات الرامية لإنهاء الصراع ما زالت متعثرة، إذ تصر طهران على رفع الحصار الأميركي عن مضيق هرمز قبل استئناف المحادثات.

ويخشى كثير من الإيرانيين أن تؤدي هذه الحالة التي يصفها السكان بـ"لا حرب ولا سلام" إلى مرحلة جديدة من الركود والتضخم.

ويرى مراقبون أن التركيز الإيراني على الجانب الاقتصادي يعكس محاولة لإعادة ترتيب الأولويات بعد سنوات من التوترات الإقليمية والعقوبات والحروب غير المباشرة، إذ باتت الحكومة مطالبة بتحقيق نتائج ملموسة على مستوى معيشة المواطنين، وليس فقط في الملفات السياسية والأمنية. كما أن نجاح أي خطط اقتصادية سيبقى مرتبطًا بقدرة إيران على تخفيف آثار العقوبات، وجذب الاستثمارات، وإعادة تنشيط صادراتها النفطية، وهي ملفات ما تزال تواجه تعقيدات دولية كبيرة.

وفي ظل هذه الظروف، تبدو إيران أمام مرحلة حساسة تسعى خلالها إلى منع الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، عبر سياسات تقشفية وتحفيزية في آن واحد، مع محاولة احتواء تداعيات الحرب على الداخل الإيراني. غير أن التحدي الأبرز يبقى في قدرة الحكومة على تحقيق توازن بين متطلبات الصمود السياسي والعسكري، والحاجة الملحّة لتحسين حياة المواطنين الذين يواجهون ضغوطًا اقتصادية متزايدة منذ سنوات.