مصر والترتيبات الأمنية في الخليج العربي

مصر تبدو معنية بتدشين ترتيبات أمنية مغايرة في منطقة الخليج وتريد حجز مكان لها في أي منظومة يتم الاعداد لها من خلال دول الخليج العربي وحدها أو بالتفاهم مع إيران الجديدة.

القاهرة- فتح الكشف عن تواجد قوات مصرية في دولة الإمارات العربية أخيرا، حديثا حول طبيعة الترتيبات الأمنية المتوقعة في منطقة الخليج العربي، بعد أن تضع الحرب الإيرانية أوزارها.

ضاعف من أهمية الحديث إشارة مصدر سياسي لإحدى وسائل الإعلام بأن القوات المصرية تتواجد في أربع دول خليجية وليس دولة واحدة.

واللافت للانتباه أن القوات المصرية ذهبت إلى الخليج عقب اندلاع الحرب بفترة قصيرة وهو ما لم يتم التنويه إليه مبكرا ووقف سيل من التقديرات السلبية والانتقادات والاتهامات التي وجهت للقاهرة.

وقيل وقتها إن مصر تقاعست عن مساعدة دول الخليج التي لم تبخل بجهودها لدعم اقتصادها وجهودها في التصدي لجماعة الإخوان.

امتصت القاهرة غضبا خليجيا معلنا ومكتوما، ولم تفصح عن طبيعة دورها العسكري بعد الحرب. اكتفت بتوضيحات في ما يتعلق بدعم دول الخليج معنويا، والسعي لتوفير تسوية سياسية عاجلة من خلال تأييد تحركات الوسيط الباكستاني مع ادانة لا لبس فيها للضربات والتهديدات الإيرانية لدول الخليج، الأمر الذي لم يكن مرضيا على المستوى الشعبي.

اشتعلت معارك في العالم الافتراضي بين مصريين وخليجيين. كل طرف دافع عن موقفه وقدم مبررات وتفسيرات عسكرية تبيّن لاحقا أنها غير دقيقة.

هناك جوانب مهمة في ما يسمى بمفرزة الطائرات المصرية بالإمارات، التي يتراوح عددها بين 8- 13 طائرة من نوع 'رافال' الفرنسية، أبرزها أنها تعزز الدعم المصري للإمارات، خاصة أنها أكثر الدول التي تعرضت لضربات بالصورايخ والمسيرات، فاقت في مجملها ما وجهته طهران إلى إسرائيل.

وتشير المفرزة إلى أن التصورات المصرية بشأن الأمن الإقليمي بعد الحرب عملية تتطلب تعاملا جادا مع المعطيات الحالية، وما تردد حول متلازمة أمن مصر من أمن الخليج لا تحتمل التشكيك فيها.

من المؤكد أن مصر معنية بتدشين ترتيبات أمنية مغايرة في منطقة الخليج. تريد حجز مكان لها في أي منظومة يتم الاعداد لها من خلال دول الخليج العربي وحدها، أو بالتفاهم مع إيران الجديدة. تحاول القاهرة سد فراغ منتظر في المنطقة، إذا رأت الولايات المتحدة غلق قواعدها العسكرية وعدم وجود ضرورة لتمركزها بكثافة كبيرة، أو قررت دول الخليج العربي تخفيض الاعتماد على واشنطن عقب تراجع قيمتها الأمنية وما سببته من استهدافات لدول الخليج في خضم الحرب وميل بعضها لعدم تجديد التعاقد لاستمرار القواعد الأميركية، وما أفضت إليه من ازعاجات عسكرية.

تحدث بعض المراقبين في مصر عن امكانية أن يقود التمركز العسكري المصري في دول الخليج إلى استفزاز إيران وأنها يمكن أن تستهدف قواتها وتدخل القاهرة في مواجهة عسكرية مباشرة مع طهران.

 إلا أن معلومات رشحت من مصادر مختلفة، أكدت أن التوجهات المصرية نحو منطقة الخليج لا تدرج في أجندتها الصراع مع إيران وربما تكون الأخيرة مرتاحة لهذا التواجد، بوصفه يقلل من الثقل العسكري الأميركي، يفتح المجال لتفاهم عربي- إيراني لوضع ترتيبات أمنية مناسبة لكل طرف، ينزع فتيل ورقة طالما استثمرتها طهران كثيرا لزيادة التوتر مع دول الخليج.

ربما يكون هذا هو البعد الظاهر في ملف إرسال قوات مصرية إلى دول الخليج، غير أن الجزء الغاطس أشد عمقا يتعلق بالخطورة التي ينطوي عليها الفراغ الأمني في منطقة الخليج العربي، يسمح بتغول إيران على دوله ويدفع إسرائيل إلى العمل على ملء الفراغ بأدوات عدة بعضها من خلال عقد اتفاقيات أمنية ثنائية وبعضها عبر مد بصرها لتوسيع نطاق الصراعات في المنطقة بما تنعكس تداعياته على أمن الخليج العربي وهو ما سوف تتضرر منه مصر بالتبعية.

جاء الإعلان عن مفرزة الطائرات عقب مناقشات مصرية حول أهمية المشاركة في الترتيبات الأمنية بمنطقة الخليج لتطوير العلاقات الاستراتيجية، وإعادة إحياء مقاربة سابقة حيال تكوين قوة أمنية عربية مشتركة وسد الثغرات التي نفدت منها الولايات المتحدة في العقود الماضية للتمركز في منطقة الخليج وما أدى إليه ذلك من مناوشات خفية بين واشنطن وقوى دولية، واتجاه دول خليجية إلى عقد اتفاقيات تعاون عسكري وشراكات استراتيجية مع دول متباينة، في مقدمتها باكستان والهند وتركيا.

على الجانب الآخر، تمكنت إيران من تطوير علاقاتها العسكرية مع كل من الصين وروسيا وكوريا الشمالية وهي دول لها مصالح كبيرة مع دول عربية لا تريد الدخول في مفاضلة بينها وبين طهران أو خلق بيئة تزخر بتوترات مفتوحة على صراعات ممتدة، لا أحد يعلم المدى الذي يمكن أن تصل إليه، ما يجعل الأجواء مواتية للبحث عن وسيلة عربية تبعد شبح التهديدات المباشرة وتحصرها في نطاقات إقليمية ضيقة.    

تمثل الصيّغ الفردية للتوقيع على الاتفاقيات وعقد الشراكات أزمة كبيرة بين دول الخليج، يمكنها أن تصبح رأس حربة في منافسات بين قوى دولية مع الوفرة النفطية والغازية في المنطقة وزيادة الأطماع الرامية للسيطرة على الطاقة ومسارتها والتحكم في المفاتيح الرئيسية لأسعارها في العالم.

وما لم يكن الأمن الخليجي قويا ومتماسكا ونابعا من دوله ومثمّنا البعد العربي فيه ستظل المنطقة محل طمع من قبل قوى عديدة وإن لم تتمكن من صياغة منظومة أمنية متطورة فيها وبمعرفتها سوف يتم وضعها فوق صفيح ساخن دائما.

تعلم مصر حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها خليجيا بحكم أنها أكبر الدول العربية، وتملك جيشا قويا مدربا على أحدث التكنولوجيا. وثمة ثقة متبادلة بينها وبين غالبية الدول الخليجية وأي خلافات أو حساسيات بين الجانبين تظل محدودة ويمكن التفاهم حول آليات حلها.

وبشكل براغماتي- عملي، كل طرف بحاجة للآخر. التوازنات كفيلة بأن تقدم حلا مرضيا للجميع، حيث تمر المنطقة بتحديات عميقة. من لا يستطيع التعامل معها وفقا لأدبيات العصر وأداوته العسكرية والسياسية والاقتصادية سيجد نفسه خارج المنطقة، وربما خارج التاريخ نفسه.

تحتاج الترتيبات الأمنية في المنطقة إلى توافقات بين دول الخليج وتفاهمات مشتركة واضحة مع مصر والحد من التعالي والغطرسة العربية المعروفة في عملية القيادة والسيطرة والاعتماد على معادلات منطقية لتجنب تكرار أخطاء وقعت سابقا وتسببت في أزمات عطّلت مشاريع ترتيبات أمنية عربية علاوة على تصويب العلاقات مع إيران لتوفير الأمن والاستقرار في الخليج ومنع التهديدات أو التلويح بها في المستقبل.