طهران تصعّد وبكين تفاوض.. ماذا ينتظر ترامب؟
التوقيت والأسلوب الذي صِيغ به الرد الإيراني على مقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب يوحيان بأن حلفاء إيران، الصين تحديداً، لم تكتفِ بتنسيق الرد، بل ربما هي من رسمت سقف المطالب العالي لتمنح نفسها "هامش مناورة" كبيراً في قمة الأربعاء في بكين.
الرد حمل الكثير من الرسائل، منها أنه كان استفزازياً، وكأنه يُملى من الطرف المنتصر على الطرف المهزوم، أو على الأقل الطرف الذي يملك رفاهية فرض الشروط، وليس الطرف المحاصر عسكرياً واقتصادياً.
إنه جاء بعد عشرة أيام من المقترح، وقبل 72 ساعة من زيارة ترامب للعاصمة الصينية بكين، والتي يعول عليها للتوصل إلى تفاهمات حول عدد من القضايا العالقة، وفي مقدمتها الملف الإيراني، والجمارك والتجارة البينية، وأزمة تايوان.
إن هذا تقريباً أطول فترة للرد على مقترح منذ بدء العمليات العسكرية، ولا يمكن أن يكون من قبيل المصادفة أن يأتي قبل ساعات من زيارة ترامب لبكين، التي زارها قبل أقل من أسبوعين عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني، وهذا لا يستبعد وجود تنسيق بين طهران وبكين، سواء في صياغة الرد أو توقيته.
إيران تراهن على أن بكين لن تسمح بانهيار كامل لطهران في ظل حاجتها لتأمين تدفق الطاقة واستقرار مضيق هرمز بعيداً عن الهيمنة الأميركية المطلقة.
الرد "التعجيزي" الذي رفضه ترامب فوراً، يضع الجانب الأميركي في موقف الطرف "غير المرن" قبيل القمة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، ما يمنح الصين ذريعة لمقاومة ضغوط واشنطن المطالبة بتشديد الخناق على طهران، بذريعة أن الأخيرة "قدمت رداً دبلوماسيا" تم رفضه.
أيضاً، نص الرد يؤكد أنه جاء كـ"مناورة استراتيجية" بدلاً من الرغبة الحقيقية في إنهاء الصراع وفق الشروط المطروحة. هذا "الرفض المتوقع" يغلق أبواب الدبلوماسية ويترك الخيار العسكري هو الوحيد المتبقي.
وتصريحات طهران المتزامنة مع الرد عن "جاهزية القوات" وترميم ترسانة الصواريخ الباليستية، توحي بأنها لا تخشى المواجهة، بل ربما ترى فيها فرصة لإعادة تعريف موازين القوى في المنطقة إذا ما تورط الجيش الأميركي في اشتباك بري مباشر.
المطالب الإيرانية التي تضمنها الرد مثل إدارة إيران لمضيق هرمز، والوقف الشامل للحرب على كافة الجبهات، ورفع العقوبات خلال 30 يوماً كشرط مسبق، تعكس لغة لا تستهدف، كما يبدو، إقناع ترامب بقدر ما تستهدف تثبيت معادلة "الندية"، فطهران تريد القول إن الحرب (التي بدأت في فبراير الماضي) لم تكسر إرادتها وأن العودة للمفاوضات لا تعني الاستسلام.
ورغم احتفاظ واشنطن بأدوات ضغط مالية وعسكرية تجعل أي استراتيجية استنزاف طويلة محفوفة بالمخاطر لجميع الأطراف، إلا أنه من الواضح أن إيران قررت التصعيد في دبلوماسية "حافة الهاوية"، فهي تقدم رداً يحفظ ماء وجهها دولياً كطرف "متجاوب"، بينما تزرع فيه ألغاماً تضمن رفضه، وذلك بهدف وضع ترامب أمام خيارين أحلاهما مر: إما قبول شروط إيرانية قاسية، أو التورط في مغامرة عسكرية قد تتحول إلى استنزاف طويل الأمد.
وبالفعل، فرضية أن الرد مدفوع أو منسق مع الصين أو روسيا لها شواهد قوية، منها إصرار السفير الإيراني في بكين بـ"ضمانات صينية وروسية". إن طهران لا تثق في أي اتفاق يحمل التوقيع الأميركي المنفرد، وأنها لن تتحرك إلا ضمن مظلة "الحلف الشرقي" لإفشال استراتيجية ترامب القائمة على الصفقات الثنائية السريعة.
إلى حد ما نجحت إيران (وربما حلفاؤها) في حشر خيارات ترامب العسكرية في زاوية ضيقة، فالحرب البرية هي "الكابوس" الذي يخشاه ترامب وتتمناه إيران لاستنزافه، فطهران تدرك أن ترامب لن يغامر بغزو بري في بداية ولايته، مما يجعل تهديداته تبدو جوفاء أو مقتصرة على القصف الجوي.
وأثبتت التجربة في الأشهر الماضية أن الضربات الجوية (حتى تلك التي استهدفت منشآت مثل نطنز) لم تؤدِّ إلى تغيير سلوك النظام، بل زادت من وتيرة تعطيل الملاحة في هرمز.
إن سلاح العقوبات تراجع تأثيره، ومع استمرار الدعم الصيني والروسي، لم يعد وسيلة ضغط "حاسمة" كما كان في السابق.
ويبدو أن بكين ستدخل قمة الأربعاء وهي تملك ورقة "تهدئة إيران" و"فتح مضيق هرمز"، لكنها لن تمنحها لترامب مجاناً، بل ستكون هناك قائمة مطالب ستقدمها لترامب، منها:
* تقليص حزم تسليح تايوان الضخمة (التي وصلت لـ14 مليار دولار)، وهو مطلب صيني ملحّ لتهدئة التوترات في مضيق تايوان.
* تخفيف القيود على شركات التقنية الصينية (مثل BYD والذكاء الاصطناعي) وإلغاء بعض الرسوم الجمركية التي تعهد ترامب بإعادتها، مقابل التزام الصين بشراء كميات هائلة من الصويا والمنتجات الأميركية.
* الصينيون يدركون أن ترامب يحتاج إلى انتصارات سريعة وملموسة (مثل صفقات شراء طائرات بوينغ أو منتجات زراعية) لتعويض خسائره السياسية الداخلية، وبكين يمكن أن توفر له قدراً معقولاً من النجاح في هذا الجانب، خاصة بعد إلغاء المحكمة العليا لبعض صلاحياته في فرض الرسوم الجمركية.
* محاولة فرض إطار أمني جديد في الشرق الأوسط تكون فيه الصين ضامناً أساسياً، مما يفتح الطريق أمام تقليص عصر "التفرد الأميركي" في المنطقة.
وربما هذه الخطوة تكون بداية لإعادة هيكلة وتوسيع النظام العالمي، وهو ما يتوافق مع براغماتية ترامب الذي يرى أن الحفاظ على "أحادية القطبية" التقليدية أصبح مكلفاً للغاية ومحفوفاً بالمخاطر العسكرية التي لا يرغب في خوضها.
الخلاصة هي أن إيران لا تتحرك وحدها؛ فالمشهد أقرب إلى توزيع أدوار غير معلن، حيث قامت طهران بـ"الدور التصعيدي" من خلال الرد الاستفزازي لتمهيد الطريق لـ"الدور التفاوضي" الذي ستلعبه الصين.
والهدف إقناع ترامب قبل لقائه مع الرئيس شي جين بينغ، بأن الواقعية السياسية توجب عليه "تفكيك الأزمات" بدلاً من حلها بالكامل، عبر مسارات "جزئية" تضمن له مكاسب سريعة وتجنبه التورط في حرب استنزاف برية لا يريدها. وهو ما يجعل القمة أقرب إلى قمة "اضطرار" للرئيس الأميركي أكثر منها قمة "فرض شروط".