ردا على آريان شوكت: يقظة مصرية - سعودية للمخططات الإقليمية
القاهرة- كتب الأستاذ آريان إبراهيم شوكت مقالا مهما بعنوان "هل إيران ستار دخاني لهدف أبعد.." ونشر على هذا الموقع. طرح فيه مجموعة من الأفكار المثيرة للاهتمام والجدل والنقاش.
يستحق بعضها الرد عليه، خاصة ما يتعلق بمصير استهداف مصر والسعودية. أما الحديث عن عودة حزب البعث فهي فكرة رمزية "طوباوية" أو مثالية، لأن الدستور العراقي يمنع ذلك أصلا وأهل العراق أدرى بشعابهم.
حمل المقال صرخة تحذيرية للدولتين لما يمكن أن يصيبهما جراء اكتمال السيناريوهات المعدة للنيل منهما، معتبرا الحرب الإيرانية مقدمة لما سوف يأتي بعدها من تحركات إقليمية واسعة تقود إلى تشتيت أكبر كتلة مادية ومعنوية سنية بالمنطقة.
أقدر الجهد الفكري للكاتب والمخاوف والاستنتاجات التي خلص إليها. اختلف معه في الجزء المتعلق بمحاولات تقزيم مصر والسعودية، لأنهما يعلمان جيدا ما يحاك من ترتيبات للمنطقة وهناك يقظة ظاهرة على تصورات كليهما، وسعي لتجاوز عملية حشرهما في معارك جانبية، تمهيدا للزج بهما في أتون معارك حقيقية طويلة، تؤكد أن الهواجس التي حملها المقال المشار إليه مأخوذة في الحسبان منذ سنوات.
لأول مرة في التاريخ الحديث تصبح مصر محاطة بكل هذه الأزمات دفعة واحدة. صراعات مشتعلة على جبهات استراتيجية متعددة الغرض منها شغل القاهرة بعيدا عما يجري الاعداد له بشأن إعادة هندسة منطقة الشرق الأوسط، بما يضعف القوى الرئيسية فيها وأبرزها مصر، التي انتبهت مبكرا لما يتم العمل عليه وتصدت له واستعدت عبر تطوير جيشها وتزويده بالتكنولوجيا العصرية، وتوفير قدرت عسكرية متقدمة، ونوّعت مصادر تسليحها ولم تعد أسيرة للمعدات الأميركية فقط.
أمعنت إسرائيل في توجيه ضربات قوية لقطاع غزة، قطعت أوصاله، احتلت أكثر من نصف مساحته، سعت إلى تهجير سكانه إلى سيناء قصرا وطوعا، تصدت مصر لهذا الهدف على مدار أكثر من عامين ورفضت الانجرار وراء استفزازات قوات الإحتلال على الحدود، نأت عن الاشتباك العسكري، وضعت خطا أحمر يتعلق بمسلسل التهجير وتهديد الأمن القومي.
راكمت قوات عسكرية في منطقة سيناء وردت بحسابات دقيقة على تجاوزات إسرائيل عند معبر صلاح الدين (فيلادلفيا) في جنوب قطاع غزة.
رأت مصر مشاهد عملية إرهاقها أمنيا في الغرب من خلال جماعات جهادية تمركزت بالقرب من الحدود الغربية الليبية ونجحت مصر في اخراج هؤلاء من منطقة شرق ليبيا بالتنسيق مع الجيش الوطني الليبي.
وسط الأزمة مع تركيا (قبل المصالحة معها)، حددت القاهرة خطا أحمر معلنا (سرت- الجفرة) ومنعت تقدم المرتزقة والقوات العسكرية التركية إليه. واجهت مصر الفوضى في ليبيا بمرونة ساعدتها على عدم الانخراط في الحرب مباشرة، وابعاد شبح انتقال الفوضى إليها.
هناك أربعة جيوب ساخنة في جنوب مصر، كل منها كان كفيلا بإحراجها وتوريطها في معركة لا محدودة، هي: أزمة سد النهضة الإثيوبي وانعكاساته البعيدة على الأمن المائي. اشتعال الحرب في السودان وتهديدها للحدود الجنوبية للدولة المصرية. اعتراف إسرائيل بما يسمى بجمهورية أرض الصومال وتواتر الحديث عن إنشاء قاعدة عسكرية أميركية- إسرائيل. تهديدات جماعة الحوثي في اليمن لأمن البحر الأحمر وتوابعها العسكرية، وما صاحبها من تداعيات أمنية واقتصادية على الملاحة في ممر قناة السويس المصرية.
ليست هناك حاجة للدخول في تفاصيل كل أزمة وما تمخض عنها من نتائج. من المهم أن يعلم السيد آريان إبراهيم شوكت أن الدولة المصرية بكل مقوماتها ومكوناتها كانت فطنة لما يمكن أن تؤدي إليها هذه الأزمات من إلحاق الضرر بها.
لم تغفل في أي لحظة أن الهدف الخفي لتزامن الحروب على جبهاتها الرئيسية هو اسقاطها في مستنقع من الفوضى بعد أن تجاوزت حربها الضروس ضد الجماعات التكفيرية في سيناء ونجحت في توفير الأمن والاستقرار في أخطر خاصرة يمكن أن تتسبب في اضعافها.
كانت الحرب على الإرهاب في هذه المنطقة ضمن سياقات أمنية فهمتها القاهرة. انتشار العناصر المتطرفة بكثافة يرمي لاضعافها، على الرغم من تكبد الأمن المصري خسائر فادحة في البشر لاجتثاث جذور الإرهاب، إلا أنه أجهض بجدارة مخططا كان يهدف إلى فصل سيناء عن مصر أو على الأقل تحويلها إلى منطقة رخوة قابلة لاستيعاب الآلاف من المتشددين، المعروف عنهم أنهم إذا دخلوا قرية دمروها.
بالنسبة للشق الاقتصادي الذي تطرق إليه السيد آريان شوكت والدعم الخليجي لمصر. الإجابة عليه يجب عدم أخذها من أرقام صندوق النقد الدولي حول حجم الديون البالغ قيمتها نحو 170 مليار دولار.
من المهم الانتباه إلى عدم وجود مساعدات اقتصادية خليجية بالمفهوم التقليدي، حيث تحول هذا المفهوم في أجندة دول الخليج إلى استثمارات في مصر، شأنها شأن كل دول العالم التي تستقبل فوائض مالية مختلفة.
بعد مضي نحو عشرة أعوام على برنامج الإصلاح الاقتصادي في مصر (بدأ نوفمبر/تشرين الثاني 2016) لم تتخلف الحكومة عن سداد أقساط الديون في مواعيدها.
كما أن جزءا كبيرا منها جرى الاستفادة منه في تحديث البنية التحتية ومدها لأماكن متفرقة. إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة. التوسع في المشروعات العمرانية وبناء الطرق والجسور في طول البلاد وعرضها، ما يعني الاستثمار في المستقبل. لن تتوجه التدفقات المالية الخليجية إلى مصر ما لم تكن البيئة مهيأة تماما.
أضف إلى ذلك تطوير المنطقة الصناعة في شرق قناة السويس وهي ركيزة أساسية للتجارة بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، أصبحت منطقة جاذبة لرؤوس أموال عالمية، ليست خليجية فقط تتضافر مع التطوير الكبير في سيناء لاستيعاب استثمارات واعدة.
تعتقد الدولة المصرية أن التوسع في الاستثمارات الأجنبية مع دول مثل الصين وروسيا وألمانيا وإيطاليا، ناهيك عن الخليج، يسهم في الدفاع عن الأمن القومي. كل دولة سوف تحاول حماية استثماراتها، إذا تعرضت مصر لخطر داهم.
بالطبع هناك تدني في المستوى الاقتصادي لشريحة كبيرة من المصريين. التضخم أكل الكثير مما يحمله المواطنون البسطاء في جيوبهم. هذا لا يعني عدم وجود ملايين ممن استفادوا من المشروعات التنموية وجنوا مكاسب جيدة. يقدر عدد سكان مصر بحوالي 110 مليون نسمة.
من الطبيعي أن تتفاوت المستويات الاقتصادية.. العبرة في ما يحمله المستقبل، توفير الأمن والاستقرار، وتحاشي التورط في حروب، واليقظة للمخططات التي تحاك، من العوامل الكفيلة بتحسين الأوضاع الاقتصادية لاحقا.
بالنسبة للسعودية، ينطبق عليها ما ينطبق على مصر حول يقظتها لما يراد لها من تطويق وتفتيت وتشرذم. هذا أحد أسرار التعاون والتنسيق بين القاهرة والرياض الفترة الماضية.
إسقاط إحداهما يؤدي إلى اضعاف الأخرى ثم الإجهاز عليها أمنيا وسياسيا، ما بين الجانبين من روابط يفوق البعد الاقتصادي. لدى مصر تصورات عملياتية لتنويع مصادر الاستثمارات وعدم حصرها في دول الخليج. ولدى السعودية تقديرات واعدة حيال رؤيتها لخطتها 2030، وترى عدم قصرها على الطاقة النمطية.
مع غلق مضيق هرمز، جرى تفعيل خط أنابيب "سوميد" لنقل النفط من السعودية إلى مصر ومنه إلى أروبا، ونجحت الرياض في تصدير نصف انتاجها بأسعار اليوم. بكلام آخر، تسببت الحرب في تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين. سرّعت الأزمة الراهنة في الخليج من وتيرة التحالف الأمني، استعدادا لأي ترتيبات في المنطقة. بموجب الانسجام يتم التوافق في قضايا مصيرية. ثمة معلومات تعزز التوجه المشترك لمنع أي قوى إقليمية غير عربية (إيران وإسرائيل) من القبض على أمن الإقليم والتحكم في قواعده الأساسية، الأمر الذي يتعزز مع ملامح التوجه نحو تشكيل تحالف رباعي يضم معهما تركيا وباكستان، وهو ما يخلط أوراق إسرائيل.
يدل هذا المكون الأمني على يقظة لما تريده إسرائيل ومعها الولايات المتحدة ويكشف عن حرص بالغ لحماية المنطقة بالطريقة التي تناسب دولها. الحفاظ على مقدراتها الطبيعية من التآكل والنهب لأن معركة إعادة التقسيم وتفتيت مصر والسعودية وتغول قوى غير عربية، الهدف منها السيطرة على مصادر الطاقة في المنطقة. لن يتسنى تحقيق ذلك في ظل يقظة الدولة المصرية وتعاونها العميق مع الدولة السعودية.