لطيفة لبصير تلهم الأطفال بـ'طيف سبيبة'
احتضن المركز الأميركي للفنون مؤخرا لقاء أدبياً ثرياً جمع بين الأديبة والأكاديمية المغربية لطيفة لبصير ومجموعة من التلاميذ والأطر التربوية حول روايتها "طيف سبيبة" الحائزة على جائزة الشيخ زايد للكتاب 2025، إذ شكل هذا اللقاء مناسبة مميزة لمناقشة قضايا إنسانية عميقة من خلال أدب اليافعين، وأتاح للشباب فرصة الاحتكاك المباشر بكاتبة متميزة، وفتح أبواب الحوار بين عالم الكتابة الإبداعية والواقع المدرسي، وأكد دور المؤسسات الثقافية في دعم النشاطات التربوية الهادفة، وعزز الوعي بأهمية الأدب في معالجة التحديات الاجتماعية، وأبرز قدرة الرواية على تحويل المواضيع الحساسة إلى تجارب فنية مشوقة.
واحتضن المركز الأميركي للفنون هذا اللقاء الثقافي بتنظيم إعدادية أم أيمن وبمشاركة نشطة من التلاميذ الذين قدموا قراءات مؤثرة من الرواية، وأدار الحوار الأستاذ محمد أشرف الذي منح الجميع فرصة للتعبير بحرية، وخلق جواً تفاعلياً حيوياً امتلأ بالأسئلة الواعية والنقاشات البناءة، وتميز اللقاء بحضور أطر تربوية متخصصة أثرت النقاش بشكل كبير، وسمح للطلبة بالتعرف على مسار لطيفة لبصير الأدبي والأكاديمي، وفتح أمامهم آفاقاً واسعة نحو عالم الكتابة والإبداع، وأبرز أهمية هذه اللقاءات في تنمية الحس الإبداعي والانفتاح على التجارب الأدبية الحديثة.
وركزت الكاتبة لطيفة لبصير خلال اللقاء على بطل روايتها الطفل راجي الذي يعاني من اضطراب طيف التوحد، وقدمت صورة إنسانية رقيقة وعميقة تبتعد عن الصور النمطية الشائعة، وأوضحت التحديات اليومية التي تواجهها الأسرة بأكملها في رحلة الدعم والتفهم المستمر، وربطت بين عالم التوحد وعوالم المغامرة والتراث المغربي الأصيل، واستلهمت عناصرها من الذاكرة الجماعية والطقوس التقليدية الغنية، وجعلت الرواية عملاً فريداً يمزج البعد التربوي بالفني، وحولت قضية اجتماعية حساسة إلى قصة مشوقة تلامس القلب والعقل، ودعت القراء إلى تقبل الاختلاف كجزء أساسي من التنوع الإنساني.
واستعرضت الأديبة دوافعها الشخصية والإنسانية وراء تأليف "طيف سبيبة"، وأكدت رغبتها في ملء فراغ موجود في الأدب العربي الموجه للناشئة حول موضوع التوحد، واستمدت الكثير من الواقع المغربي وتجارب الأسر الحقيقية، وأبرزت أهمية دمج الأبعاد الثقافية والتراثية لتعزيز الهوية والانتماء، ودعت إلى توسيع كتابة أدب اليافعين ليشمل قضايا المجتمع المعاصرة بجرأة، واعتبرت الكتابة رسالة نبيلة تتجاوز الترفيه إلى التوعية والتأثير الإيجابي، وشددت على دور المدرسة والمؤسسات الثقافية في نشر هذه الأعمال لترسيخ قيم التسامح والتفهم المتبادل.
وحثت لطيفة لبصير التلاميذ على ممارسة الكتابة كوسيلة تعبير حر عن أفكارهم ومشاعرهم الداخلية، وأوضحت أن الإبداع مهارة تتطور بالممارسة اليومية والاجتهاد المتواصل وليست حكراً على فئة محددة، وشاركتهم تجربتها الشخصية في التوفيق بين التدريس الجامعي والإبداع الروائي، وأثارت حماسهم ودفعتهم لطرح أسئلة عميقة حول تقنيات الكتابة وبناء الشخصيات، وألهمتهم بتواضعها وقدرتها على تحويل موضوع حساس إلى نص أدبي جذاب، ورفعت من ثقتهم بأنفسهم كمبدعين مستقبليين قادرين على المساهمة في الحقل الثقافي المغربي.
وأشاد المؤطران محمد أفليلا وحسن فائز بنجاح اللقاء في بناء شخصية التلاميذ وتنمية حسّهم الثقافي والإبداعي، وأكدا أن المدرسة فضاء متكامل للتربية الشاملة وليست مكاناً للتلقين فحسب، وعبرت التلميذتان أميمة تحضارت وزينب إنقدان عن تأثرهما الشديد بهذه التجربة، واعتبرتا اللقاء لحظة إلهام حقيقية فتحت لهما أبواب الغوص في أعماق النفس البشرية، ووصفتا الرواية بأنها تجمع بين جمال المغامرة وعمق قضية التوحد، وأعربتا عن امتنانهما الكبير للمركز الأمريكي للفنون وإدارة المؤسسة على هذه المبادرة الرائعة.
وأكدت لطيفة لبصير من خلال هذا اللقاء وروايتها "طيف سبيبة" مكانتها كصوت أدبي متميز يعالج قضايا مجتمعية حساسة بأسلوب فني راقٍ، ونجحت في تحويل طيف التوحد إلى مادة روائية مشوقة تجذب اليافعين والكبار على حد سواء، وترك اللقاء أثراً عميقاً في نفوس المشاركين الذين غادروا أكثر إدراكاً لقيمة التنوع وقدرة الكلمة على تغيير النظرة المجتمعية، وفتح الباب أمام مبادرات ثقافية أخرى تربط بين المدرسة والمبدعين، ودعم الوعي الجماعي بقضايا الإعاقة والاختلاف بطريقة إيجابية وبناءة.


