توازنات أميركية بين مصر وإثيوبيا

واشنطن تجد في ضبط ملف سد النهضة مدخلا مناسبا لمنع حدوث تهديدات جديدة لمصالحها.

القاهرة- لم يتعامل مراقبون في مصر بجدية كبيرة مع حديث مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، حول تباحثه مع وفد إثيوبي رفيع المستوى بشأن سد النهضة زار في واشنطن أخيرا.

بدا الحديث من قبيل إرسال تطمينات رمزية للقاهرة أكثر منه خطوة جادة لاستئناف الوساطة الأميركية لتحريك المياه الراكدة في سد إثيوبيا الذي تسبب في توتر سياسي بين القاهرة وأديس أبابا.

جاءت الإشارة الجديدة في سياقات عدة تؤكد أن الولايات المتحدة تسعى لإحداث توازن في علاقاتها مع البلدين. الحفاوة التي استقبل بها وفد إثيوبيا برئاسة وزير خارجيتها أوحت بمتانة العلاقات بين واشنطن وأديس أبابا التي تعززت برفع عقوبات فرضتها الأولى على الثانية بشأن توريد الأسلحة بعد اندلاع الحرب في إقليم تيغراي.

كي لا تُفهم الحفاوة والترحيب ورفع العقوبات العسكرية على أنه إنحيازا لإثيوبيا، تطرق مسعد بولس في تصريح له على منصة إكس لمناقشة ملف سد النهضة وقطع الطريق على أي انزعاج مصري من تطوير العلاقات مع أديس أبابا التي تعتبرها واشنطن واحدة من القواعد الحليفة الرئيسية في منطقة القرن الأفريقي.

تتسق الإشارة إلى قضية سد النهضة مع تصريحات سابقة للرئيس الأميركي دونالد ترامب تطرق فيها إلى استعداده لاستئناف وساطته بين القاهرة وأديس أبابا، واعترافه بأن بلاده في عهد الرئيس جو بايدن أسهمت في تمويل السد الإثيوبي. حينها كال الاتهامات إلى سلفه لتقديم ترضية معنوية لمصر ومساعدتها في حل أزمة مستعصية.

تحدث مصدر مصري عن عودة أميركية لإحياء ما يسمى بـ"وثيقة واشنطن" قبل أيام قليلة. هي وثيقة قدمتها إدارة الرئيس ترامب في فبراير/شباط 2020 خلال فترة ولايته الأولى بعد جهود وساطة وجولات من المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان.

وقعت عليها (الوثيقة) الأولى وامتنعت الثانية ولم ترفض مضمونها الثالثة. رمت إلى إيجاد حل مناسب لأزمة سد النهضة بما يحافظ على مصالح الدول الثلاث.

لم تتخذ الولايات المتحدة خطوات عملية لاستئناف الوساطة. أبدت مصر ترحيبا وتنتظر التداعيات الإيجابية دون افراط في التفاؤل. لم تبد إثيوبيا تغيرا ملموسا في سلوكها حيال سد النهضة أو تقدم ما يثبت وجود تحول في تصوراتها يسّهل البحث عن تسوية سياسية وفنية، في حين ينشغل السودان بحربه الداخلية ومناوشاته الخارجية مع إثيوبيا، ما يعني أن فرصة التقارب بين الخرطوم وأديس أبابا حاليا صعبة.

تُظهر الولايات المتحدة حرصا للحفاظ على علاقات جيدة مع الدول الثلاث. تعمل على تجنب حدوث تصعيد يؤدي لمزيد من العقبات الإقليمية لواشنطن وسط انشغالها بالحرب الإيرانية وما أفرزته من تحديات استراتيجية في منطقة الشرق الأوسط وما حولها وتعمل الإدارة الأميركية على توفير قدر من التهدئة في منطقة القرن الأفريقي التي تمثل امتدادا حيويا لما يجري في منطقة الخليج العربي من تفاعلات.

 تجد واشنطن في ضبط ملف سد النهضة مدخلا مناسبا لمنع حدوث تهديدات جديدة لمصالحها.

يمثل السد الإثيوبي بعدا وازنا في تصرفات واشنطن نحو كل من القاهرة وأديس أبابا والخرطوم واشاعة أجواء من التفاؤل اللفظي لن يضيرها، على العكس، يمنحها ديناميكية للدوران في فلك عجزت من قبل عن ضبطه بالأدوات الدبلوماسية. امتنعت عن ممارسة ضغوط على إثيوبيا وتركتها تتنصل من وثيقة واشنطن دون محاسبتها.

لماذا العودة إلى سد النهضة؟ هل تغيرت حسابات ترامب فعلا أم يسعى إلى تحويله لعملية سياسية تستهلك وقتا إلى حين تنتهي فترة رئاسته الثانية بعد نحو عامين، يعزز فيها علاقاته مع القاهرة التي ترى ملف المياه مسألة وجودية للأمن القومي المصري؟

لتفسير العودة هذه المرة هناك مجموعة من الأسباب في مقدمتها: تطويق أي توتر يفجر التناقضات الأمنية في منطقة القرن الأفريقي قد يزحف على البحر الأحمر. رفع العقوبات العسكرية الأميركية لم يقتصر على إثيوبيا، شمل إريتريا أيضا، التي مثلت منغصا لواشنطن، حيث أظهرت أسمرة مواقف متمردة للإنحياز الأميركي إلى غريمتها أديس أبابا، في وقت بدأ شبح الحرب بينهما يطل برأسه من جديد.

كما أن الموقف الأميركي من الأزمة السودانية شهد تغيرا نسبيا مؤخرا، وفقا لتصريحات أدلى بها مسعد بولس وبدأ يميل نحو الجيش السوداني ويقلل من التأييد الضمني لقوات الدعم السريع.

يمثل الرباعي: مصر والسودان وإريتريا وإثيوبيا، محورا مهما لواشنطن ورؤيتها البعيدة للأمن في البحر الأحمر.

تعمل واشنطن على تطوير العلاقات مع هذه الدول، وتجاوز الخلافات مع الدول الثلاث الأولى المطلة مباشرة على البحر الأحمر، بدرجات متباينة، ومع الرابعة (إثيوبيا) عبر تشييد معادلة تضمن للولايات المتحدة اتاحة الهدوء الذي يسمح بكبح جماح أي من هذه الدول لتطوير علاقاتها مع قوى مثل روسيا والصين وإيران.

لكل من هذه القوى طموحات في وضع قدم على البحر الأحمر بشكل يهدد مصالح الولايات المتحدة، ما يفرض عليها تمتين علاقاتها مع الدول المطلة عليه.

تدرك واشنطن أن أحلام إثيوبيا في الوصول إلى منفذ بحري من خلال سردية الحقوق التاريخية في إريتريا سيكون كفيلا بتفجير حرب بين البلدين، الأمر الذي دفع واشنطن للتريث في الاعتراف باستقلال ما يسمى بجمهورية أرض الصومال وعدم مؤازرة إثيوبيا في سعيها المستمر للوصول إلى البحر الأحمر أو خليج عدن ورفع ممانعاتها لتصدير الأسلحة إلى إريتريا وتبني موقفا شبه عادل من الحرب في السودان أخيرا والتلويح بالتدخل لتفكيك أزمة سد النهضة.

تستطيع الولايات المتحدة تقديم مقاربة جديدة لتفكيك الأزمة، إذا كانت عازمة على استئناف وساطتها بجدية وبلا أهداف تكتيكية. في حوزتها ما يكفي لعدم مواجهة تعنت من قبل أديس أبابا، والحصول على مرونة من القاهرة. مرحلة ملء السد وهي أحد أهم نقاط الخلاف بين مصر وإثيوبيا جرى تخطيها. لم تحدث أزمة مياه حادة في مصر بعد أن اتبعت الطرق الرشيدة في الحد من الآثار الإيجابية للملء الإنفرادي.

تواجه إثيوبيا مشاكل فنية في تشغيل السد حاليا. ظهرت فجوات هيدروجينية في الإدارة وعيوب في التخزين، وتسريب المياه من الخزانات بعشوائية أدت إلى غرق قرى في السودان. لدى مصر خبرات في التعامل مع السدود في سنوات الغزارة أو الجفاف في هطول الأمطار ونجحت القاهرة في مساعدة كل من تنزانيا والكونغو الديمقراطية في تشييد عدد من السدود وكشفت عن تفهم واضح للدوافع التنموية من وراء بنائها، وبينها سد النهضة الذي تردد إثيوبيا دوما أن هدفه تنموي. كل هذه الأمور تجعل مهمة واشنطن في الوساطة سهلة، شريطة توافر حسن النوايا السياسية من جميع الأطراف.