ضبط النظام الدولي قبل فوات الأوان

القمة التي عقدها الرئيس الصيني ونظيره الروسي في بكين كشفت عن أول تحرك يشير إلى أن الولايات المتحدة لن تستمر قوة عالمية مسيطرة على مفاتيح الحل والعقد في العالم.

تؤدي الأحداث الكبرى غالبا إلى تحولات ملموسة في العالم. توقع خبراء أن تصبح روافد الحرب الإيرانية نقطة فاصلة بين مرحلتين. مرحلة سابقة مليئة بالفوضى. وأخرى لاحقة تتطلب قدرا من الاستقرار. يصعب القطع حاليا بأن النتائج تقدم لنا نموذجا دوليا جديدا. لا تزال المعالم النهائية مجهولة. الولايات المتحدة تريد استسلام إيران لتأكيد سطوتها. الثانية تسعى للترويج لانتصارها بسبب عدم سقوط نظامها. هناك من رشحها لتكون قطبا رابعا، بجانب كل من الولايات المتحدة والصين وروسيا.

كشفت القمة التي عقدها الرئيس الصيني شي جين ونظيره الروسي فلاديمير في بكين عن أول تحرك يشير إلى أن الولايات المتحدة لن تستمر قوة عالمية مسيطرة على مفاتيح الحل والعقد في العالم.

كشفت حصيلة زيارة بوتين لبكين يومي الثلاثاء والأربعاء عن محاولة دؤوبة لضبط النظام الدولي قبل فوات الأوان.

أصبح العالم غير مستقر بسبب التصرفات الأميركية الأحادية والعمل على تهميش القوى الأخرى. العالم معرض للإنزلاق في مزيد من الصراعات. عدم احترام القانون يزداد انتشارا في المعمورة. ثمة حاجة لنظام عالمي جديد أكثر عدالة وحكمة ورشادة.

تحمّل العناوين الرئيسية لقمة شي- بوتين (بشكل غير مباشر) الرئيس الأميركي دونالد ترامب جانبا كبيرا من المسؤولية الأخلاقية لما يمر به العالم. قد تكون ارهاصات الفوضى ظهرت منذ سنوات، لكن تفاعلاتها اختمرت وتبلورت في تصرفات عملية منذ اللحظة الأولى التي صعد فيها ترامب إلى سدة السلطة في ولايته الثانية تحديدا. وبعد أكثر من عام على دخوله البيت الأبيض للمرة الثانية لم يعد كثيرون يجادلون في أن تحركاته سوف تضاعف الفوضى في العالم.

لم تكن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على إيران، بالشراكة مع إسرائيل، منقطعة الصلة عن الرؤى التي قدمها الرئيس ترامب لعدد من الصراعات والأزمات الدولية وتقديراته المتذبذبة لبعض القضايا الحيوية. بدءا من العمليات العسكرية التي تقوم بها إسرائيل في كل من قطاع غزة ولبنان واليمن وإيران، وحتى موقفه من الحرب الروسية- الأوكرانية، وضم جزيرة جرين لاند، والتلويح بالخروج من حلف الناتو، وفرض رسوم جمركية باهظة على دول عدة.

عززت النظرة الاستعلائية التي تتبعها الإدارة الأميركية مخاوف قوى عديدة، أبرزها الصين وروسيا. كلاهما أبدى انزعاجا صريحا محدودا، وتصرف بما يدعم مصالحه والطريقة التي لا تقدم حبل إنقاذ للولايات المتحدة. فُهم الصمت النسبي من قبلهما على أنه قبول بمزيد من التحركات الأميركية. قبول ليس رضائيا بالطبع أو تصديقا على صلاحيته للنظام الدولي، لكنه لإحكام الحصار على ترامب وادخال واشنطن مصيدة يصعب الفكاك منها بسهولة.

ينطبق هذا الأمر على الحرب الإيرانية وتوابعها. تقف الإدارة الأميركية عاجزة عن توقيع اتفاق مع طهران لا يلبي طموحات الرئيس ترامب. مترددة أو خاملة تجاه العودة إلى الحرب. هي حالة نموذجية للشلل الاستراتيجي. تمنح كل من بكين وموسكو الحديث بصوت مرتفع عن خطورة السياسات التي تنتهجها الولايات المتحدة، وما يتمخض عنها من تشويه في بنية النظام العالمي بسبب عدم الاعتداد بالقوانين الدولية.

شُنت الحرب على إيران بلا قرار من مجلس الأمن أو شرعية دولية. ساندت واشنطن إسرائيل في جميع حروبها الأخيرة ولم تتوقف عن دعمها عسكريا ودبلوماسيا وإعلاميا. أخفقت الولايات المتحدة في استصدار قرارات أممية تؤيد إجراءاتها في إدارة الصراعات التي تدخلت فيها مباشرة.

بدت تصريحات الرئيس ترامب عن وقف سبع أو ثماني حروب في العالم أشبه ببيوت من القش. يعشش فيها العنكبوت. لم يثبت أن إحداها وصل إلى غايته الحقيقية في السلام والحصول على تسوية سياسية يمكن بناء الاستقرار عليها. جميع الحروب التي قصدها ترامب لا تزال نيرانها مشتعلة، أو أن شبحها يلوح في الأفق. باتت المخرجات التي قدمتها واشنطن واهية وغير مقنعة لمن تابعوها عن كثب.

استعدت كل من الصين وروسيا، ومعهما قوى إقليمية ودولية أخرى من خلف الستار، للاستثمار في العقلية السلبية التي تدير بها الإدارة الأميركية بعض القضايا الدولية، بهدف اقامة الحجة على الفشل في توفير الأمن والاستقرار الإقليميين. على العكس تقوم واشنطن بتغذية صراعات، وشن حروب، وزيادة التوترات في العالم.

نشاهد ملامح هذه الصورة متجسدة في وقت لم يعد لدى واشنطن الكثير من الحلفاء الموثوق بهم. الاتحاد الأوروبي الذي كان مؤيدا للتوجهات الأميركية السابقة يعاني من سطوة ترامب وافرازات قسوته على عدد من دوله. جرى اذلال البعض من قادته. رأينا تهديدات متواصلة حول اختيار آليات جديدة لإدارة العلاقات مع غالبية دول أوروبا وكندا. دفعتهم إلى التفكير في التعاون مع الصين وروسيا. هناك شرخ كبير في الغرب. يستوجب إعادة النظر في العلاقة المستمرة بين جناحيه، الأميركي والأوروبي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

توقف كثيرون عند الحرب الإيرانية كدليل على أن نتائجها ستكون شبيهة أو قريبة من نتائج العدوان الثلاثي الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر عام 1956. الحرب سوف تؤدي إلى تراجع هيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي، كما تراجعت بريطانيا وخرجت من منطقة الشرق الأوسط.

تعمل الصين وروسيا وغيرهما على توظيف الحالة المعلّقة التي دخلت فيها واشنطن صندوقا مسدودا. من أجل صياغة الوضع العالمي وإعادة الاعتبار إلى التمسك بتطبيق القانون الدولي بعد أن تسبب العصف به في زيادة حدة الأزمات بدلا من وقفها.

تتجاوز عملية ضبط النظام الدولي التي تريدها بكين وموسكو تقليص نفوذ واشنطن على المسرح العالمي، تصل إلى الرغبة في وضع نواة لنظام جديد. يتشكل من قوى عدة. يفتح المجال لمنافسة تقوم على ركائز صحيحة. يتم وقف زحف الصراعات والنزاعات والتحريض على الحروب وما يجري من استثمار فيها.

يؤسس هذا المسار إلى قاعدة صاعدة بغرض التخلي عن الانفرادية التي مارستها الولايات المتحدة طوال عقود ماضية. وصلت ذروتها إلى شن حروب متعددة وتوفير مبررات سياسية لها وذرائع قانونية مترهلة، ثم تخطتها إلى عدم الاعتداد بالمبررات والذرائع، وتقديم تفسيرات تستجيب للأهداف الأميركية.

سعت الصين وروسيا إلى تكوين ما يوصف بـ"تحالف الراغبين" لصياغة نظام دولي يرفض الهيمنة الأميركية. تكشفت ملامحه في توسيع تكتل "بريكس" مؤخرا ويضم قوى كبرى ومتوسطة. منح أولوية للتبادل التجاري بالعملات المحلية لضرب السيطرة الأميركية. أخذت الملامح تتحول إلى معالم حقيقية مع اتساع نطاق الغضب من تصرفات ترامب، التي فرضت السعي نحو فرملة أحاديته، والتفكير في منظومة تضبط مفاصل العالم قبل أن يصبح قانون الغاب هو الأداة المعترف بها فيه.