إثيوبيا ومصر وأزمة المنفذ البحري

أزمة سد النهضة هدأت نسبيا، وطفت على السطح أزمة المنفذ البحري سريعا، التي سوف تستمر وقتا طويلا، لأن مفاتيح حلها خارج إثيوبيا.

القاهرة - تتعامل إثيوبيا مع مصر وكأنها السبب الرئيسي في حرمانها من الحصول على منفذ بحري على خليج عدن أو البحر الأحمر. لا تفوت فرصة إلا وتوجه فيها انتقادات لها. حمّل المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية القاهرة أخيرا مسؤولية جعل بلاده حبيسة. بلا منفذ بحري. متناسيا حدود الجغرافيا الطبيعية، وأن هناك 45 دولة في العالم و16 دولة في قارة أفريقيا حبيسة، ولا تتبنى المغالطة الإثيوبية.

كنت ضيفا على قناة "المشهد" التي تبث من دبي بمشاركة ضيف من إثيوبيا مساء الجمعة. أدار الإعلامي القدير محمد أبوعبيد حوارا شيقا بيننا. انصب جُل كلام الزميل الإثيوبي على أن مصر "أم المشاكل" التي حلّت، وربما تلك التي سوف تحل على بلاده مستقبلا. هو حديث واجهته أكثر من مرة مع ضيوف آخرين على قنوات مختلفة وسرديات متذبذذبة. تخرج منه بفكرة أن إثيوبيا تبحث عن عدو خارجي. وجدت في مصر حلا مناسبا عقب تصاعد حدة الخلافات حول سد النهضة.

بُني السد وامتلأ إلى حدوده القصوى ولا تزال أصابع إثيوبيا تشير إلى أن مصر رفضت البناء وتريد حرمانها من التنمية وتوليد الكهرباء والخروج من مستنقع الفقر والظلام. أضيفت إلى قصة السد رفض وصولها إلى البحر، والزعم أن القاهرة تقوم بتطويق إثيوبيا وتشكيل شبكة قوية من العلاقات تشمل الصومال وإريتريا والسودان.

وجه الضيف الإثيوبي في برنامج "استوديو العرب" الذي جمعنا مساء الجمعة العديد من الأسئلة التي دارت حول حق بلاده في المنفذ البحري. ولا أعلم من أين أتى بالحق الذي يتناقض في أبسط أدبياته مع قانون دولي أجاز الوصول بعد التفاهم والاتفاق مع الدولة المتشاطئة. لم يحدث ذلك مع الصومال أو إريتريا. بحكم أن هاتين الدولتين جرى الحديث عن طموحات أديس أبابا في الوصول إلى خليج عدن عبر مذكرة تفاهم وقّعت مع إقليم أرض الصومال، الذي لم يحصل على اعتراف بالاستقلال. واجهت هذه المذكرة اعتراضات من الحكومة المركزية في مقديشو، ومصر ودول أخرى.

وعبر إريتريا من خلال الاستحواذ على ميناء عصب بزعم وجود حقوق تاريخية لإثيوبيا فيه. هنا يتم تجاهل استقلال إريتريا منذ 33 عاما، وضرورة احترام حدودها المعترف بها دوليا. أي تغيير في هذه الحدود بالقوة يؤدي إلى إثارة نعرات بين دول أفريقية. قد تكون إثيوبيا أكبر المتضررين منها بسبب خلافات حدودية بينها ودول مجاورة. أبرزها الصومال والسودان، وإريتريا التي دخلت مؤخرا في توتر جديد مع إثيوبيا بعد فترة من الهدوء وشاركتا معا في حرب على إقليم تيغراي قبل أعوام قليلة.

لفتّ نظر الضيف الإثيوبي إلى أن مطلب مصر يقول إن أمن البحر الأحمر من حق الدول المتشاطئة. أي خلل في هذه المعادلة يحدث توترات المنطقة في غنى عنها. أي تطور في العلاقات بين القاهرة وعواصم أخرى لا يعني أنه موجه نحو أديس أبابا. لم يُظهر الضيف اقتناعا بكلامي، ولم يقدم دليلا على أن مصر عبثت بأمن بلاده أو غيرها. كل التفاهمات والاتفاقيات لم تنل من سيادة إثيوبيا أو أفضت لاحتكاك بها.

قفز الزميل الإثيوبي قفزة كبرى في الهواء عندما أشار إلى أن مصر تعاني من أزمات اقتصادية، عليها الانكفاء على الداخل والتفكير في حلول لها قبل أن تتجه نحو توثيق علاقاتها مع إريتريا. لم يكن أمامي سوى الإشارة بسخرية إلى أنه يتعامل مع إثيوبيا وكأنها سويسرا أفريقيا. تجاهلت جرأته على تحديد الأجندة لمصر، ركزت على أن القاهرة تضع البعد التنموي ضمن أولوياتها الخارجية. أشرت عليه بمراجعة زيارة وزير الخارجية بدر عبدالعاطي لأسمرة أخيرا مصطحبا معه وفدا اقتصاديا رفيعا.

كانت أكثر الأسئلة إثارة واستفزازا التي طرحها الضيف على برنامج "استوديو العرب" هي أن مصر تهرب من مشاكلها الداخلية بافتعال أزمات مع إثيوبيا. من سد النهضة وحتى المنفذ البحري. لم أشأ الرد عليه بالمثل الشعبي "البجحة تلهيك وتجيب اللي فيها فيك"، اكتفيت بالإشارة سريعا إلى حجم المشاكل العرقية والإقليمية في إثيوبيا. هناك أقاليم تطالب بالانفصال عن الدولة، وحكومة بلاده تتاجر بهذه النوعية من الأزمات.

أوضحت له أن مصر سلكت طريق المفاوضات مبكرا وأمضت حوالي عشرة أعوام في محادثات بلا طائل مع إثيوبيا. أديس أبابا وليس القاهرة هي من تنصلت من التوقيع على وثيقة واشنطن ابان فترة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأولى. لا يوجد فيتو مصري على مشروعات بلاده التنموية. المطلوب فقط تقنين المسألة كي لا تحدث فجوات فنية وسوء إدارة لسد النهضة، كما هو حاصل الآن. بعد الملء ظهرت عيوب أدت إلى غرق مساحات من أراضي السودان بسبب الفيضان، قابلة للتكرار.

لدحض اتهام القاهرة بأنها تعارض بناء السدود، لفتّ نظر الضيف الإثيوبي إلى أن مصر قامت ببناء سد كبير في تنزانيا، وشرعت في بناء آخر في الكونغو الديمقراطية، وهما من دول حوض النيل. ما يعني عدم وجود رفض عام لبناء السدود. الرفض أو الممانعة يقتصر على البناء غير الرشيد. مع أهمية توافر الدراسات الفنية اللازمة، والاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى مصر في بناء وإدارة السدود.

سعدت بالحوار على قناة "المشهد" الذي أداره الإعلامي المخضرم محمد أبوعبيد. حاولت تصحيح المغالطات التي رددها الضيف الإثيوبي وسط ضيق وقت البرنامج. لكن المشكلة أن الاتهامات والانتقادات تتكرر في كل حوار وأقوم بالرد عليها بطريقة موضوعية. يبدو أن هناك موقفا لتحويل النقاش حول سد النهضة والمنفذ البحري وأي قضية تهم إثيوبيا إلى إلقاء اللوم على القاهرة. محاولة تحميلها تبعات كل اخفاق داخلي أو خارجي تواجهه الحكومة في أديس أبابا. للتنصل من المسؤولية السياسية والأخلاقية، وايجاد عدو تصب الشعوب الإثيوبية غضبها عليه بدلا من قياداتها الحالية.

هدأت أزمة سد النهضة نسبيا، وطفت على السطح أزمة المنفذ البحري سريعا، التي سوف تستمر وقتا طويلا، لأن مفاتيح حلها خارج إثيوبيا. إذا لجأت حكومة أديس أبابا إلى الخشونة مع إريتريا أو الصومال ربما تدخل في أزمة عميقة. تقحم دولا ومنظمات دولية ترفض المساس بالحدود التقليدية. مصر تدافع عن مبدأ الحفاظ على الأمن والسلم الإقليميين، ولن يضيرها بناء سد أو الوصول إلى مياه البحر، طالما أن كليهما يتم بالتفاهم، ومن خلال أدوات لا تتعارض مع الثوابت والشرعيات القانونية الدولية.