اتفاق ترامب: هل يعيد تموضع إيران إقليمياً؟

إصرار الجانب الإيراني على أن تشمل التهدئة جبهة لبنان يعكس نجاحاً في فرض معادلة "وحدة الساحات" سياسياً.

"إذا دخلت غرفة التفاوض مع الإيرانيين، فقد خسرت!".. هذه العبارة تلخص خبرة سنوات عديدة خاضها المفاوضون مع الطرف الإيراني.

الآن هذه العبارة تتأكد، فبعد ما يزيد على 70 يوماً منذ بدء الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ومفاوضات شاقة ومرهقة، توصلوا إلى ما يمكن وصفه باتفاق أو إطار تفاهم لوضع حد مؤقت لهذا الصراع.

وبغض النظر عن المسمى، فإن تفكيك بنود هذا "لاتفاق الإطاري" أو مذكرة التفاهم التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخراً، يكشف عن ثغرات استراتيجية نجح المفاوض الإيراني من خلالها في تحويل الاتفاق إلى مجرد إجراءات لترحيل الأزمة، وليس حلاً جذرياً لها.

فرغم أن إدارة ترامب تروج للاتفاق بوصفه نجاحا في "إعادة فتح المضيق" وتأمين حركة التجارة العالمية، إلا أن الصيغة المطروحة تشير إلى بقاء السيطرة الإجرائية والأمنية بيد طهران. هذا الوضع يمنح إيران بالفعل "شرعية واقعية" كسلطة ضبط وتحكم في الممر المائي الأهم لنقل 20 في المئة من احتياجات الطاقة العالمية، وهو مكسب استراتيجي يفوق حجم التنازلات المؤقتة التي قدمتها.

وعلى سبيل المثال، فإن البند الذي ينص على إرجاء الملفات التي كانت سبباً رئيسياً في اندلاع الحرب، (برنامج الصواريخ الباليستية وشبكة الوكلاء الإقليميين)، يترك دول الجوار، وتحديداً دول مجلس التعاون الخليجي، في مواجهة ذات الخطر المستدام مع إيران، مما قد يفتح الباب مستقبلاً لتباين في الرؤى والمواقف السياسية والدفاعية بين دول المجلس حول كيفية التعامل مع طهران في مرحلة ما بعد الحرب.

كذلك، فإن البند الذي يسمح لإيران بإعادة تصدير النفط، ورفع الحصار عن موانئها، والإفراج الجزئي عن الأموال المجمدة، يمثل طوق نجاة حقيقياً للنظام، لأنه سيوفر له السيولة اللازمة لتثبيت الاستقرار الداخلي، وترتيب أوراقه مع أذرعه في المنطقة بما يخدم نفوذها مجدداً.

فضلاً عن أن إصرار الجانب الإيراني على أن تشمل التهدئة جبهة لبنان يعكس نجاحاً في فرض معادلة "وحدة الساحات" سياسياً، حتى وإن حاولت واشنطن أو تل أبيب إنكار هذا الربط علناً. هذا التلازم يمنح طهران القدرة على حماية أذرعها في الخارج كجزء من أي تسوية شاملة، مما يعني أن أدوات الضغط الإيرانية الإقليمية ستظل قائمة، ولم يتم تفكيكها.

أما المُهلة الزمنية المقترحة للمفاوضات التفصيلية (بين 30 و60 يوماً)، فتمثل نافذة ذهبية لإيران. هذه الفترة ربما ستستغلها طهران لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترميم قدراتها العسكرية والدفاعية التي تضررت خلال الحرب، بالاعتماد على حلفاء الظل كالصين وروسيا، اللتين تريان في بقاء إيران قوية مصلحة حيوية لموازنة النفوذ الأميركي في المنطقة.

بناءً على هذا، يمكن القول إن الاتفاق يعتبر بصيغته الحالية كأنه "صفقة لتموضع نظام طهران مقابل تهدئة مؤقتة" تمنح ترامب المصوغ القانوني اللازم لإعلان إنهاء سريع للحرب والخروج من المستنقع الإيراني بأقل الخسائر، لكن هذا الخروج لن يترك الجذور العميقة للصراع دون علاج فقط، بل وسيقدم لإيران محفزات اقتصادية وجيوسياسية ضخمة لم تكن تتوقعها قبل بدء العمليات العسكرية.

في المقابل، هناك من يعتقد أن الاتفاق هو "خدعة" أميركية لتحسين موقفها التفاوضي والعسكري استعداداً لجولة قتال حاسمة، أو أن ترامب أراد هذا الاتفاق لأهداف استراتيجية ستمكنه مستقبلاً من الحصول على نصف المعادن النادرة في إيران.

في حقيقة الأمر، فإن أصحاب هذه التصورات يتجاهلون تماماً التقويم السياسي في واشنطن وتل أبيب، فمهلة الستين يوماً تنتهي تقريباً بعد انتهاء فعاليات كأس العالم لكرة القدم التي تستضيفها الولايات المتحدة بحوالي 4 أيام، وهو ما يتزامن مع بدء العد التنازلي الفعلي لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

في هذا التوقيت، تصبح قدرة الرئيس على اتخاذ قرار بالعودة إلى حرب إقليمية واسعة ومكلفة شبه منعدمة، لأن الحزب الجمهوري سيكون حريصاً على تقديم إنجاز "السلام والصفقات" للناخب الأميركي، وليس العودة إلى مستنقع الاستنزاف المالي والعسكري.

وفي إسرائيل، فالموقف لا يقل تعقيدا. نتنياهو يواجه ضغوطاً داخلية هائلة، والحديث عن انتخابات كنيست قادمة وتشكيل حكومة جديدة وسط معارضة شرسة ومنظمة يقودها يائير لبيد وشركاؤه، يعني أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية لن تتحمل مغامرة عسكرية جديدة دون غطاء أميركي كامل ومباشر، وهو ما لن يقدمه ترامب في فترة التجديد النصفي.

أما فيما يتعلق بالمعادن النادرة (مثل الليثيوم واللانثانوم والسيريوم) في إيران، فإن الرهان الأميركي عليها يصطدم بعقبتين، الأولى تتمثل في أزمة الثقة العميقة والتاريخية بين واشنطن وطهران والتي تمنع بناء شراكات استثمارية طويلة الأجل في قطاعات استراتيجية كهذه.

والثانية تكمن في الهيمنة الصينية شبه الكاملة على الكثير من الروافد التعدينية في إيران، فالصين ليست فقط الشريك التجاري والنفطي الأول لإيران عبر استراتيجية "الاقتصاد المقاوم"، بل إنها تمتلك التكنولوجيا والبنية التحتية للاستخراج والفصل الكيميائي لهذه المعادن النادرة، وتسيطر على أكثر من 90 في المئة من هذه الصناعة عالمياً، بالتالي، ستفضل طهران حتماً الجانب الصيني.

إذن، فالقراءة المتأنية لبنود هذا الإطار تؤكد أننا أمام مفارقة استراتيجية واضحة ونتائج لا تتفق مع المقدمات، فالحرب التي بدأت بتنسيق أميركي-إسرائيلي وثيق تحت شعار إسقاط نظام إيران "المارق"، توشك أن تنتهي باستبعاد إسرائيل من المشهد التفاوضي، وتوقيع اتفاق منفرد بين واشنطن وطهران، يعيد تأهيل النظام الإيراني إقليمياً، ويمنحه شرعية سياسية ومقعداً ثابتاً في صياغة ترتيبات الخليج والشرق الأوسط، فيما تعيش إسرائيل أسوأ كوابيسها بعدم القبول بتسوية نهائية أو إعلان اعتراف ضمني بهذه التحولات، في انتظار فترة اختبار طويلة قد تفتح الباب لاحقاً لتفاهمات غير معلنة مع طهران حول تقاسم الأدوار، على غرار ما جرى إبان فضيحة إيران كونترا.