تحرك سعودي لتوطين الصناعات الدفاعية

الرياض تتعاون مع شركات أميركية متخصصة في الصناعات الدفاعية لتطوير وإنتاج طائرات قتالية بدون طيار مماثل لنظام شاهد الإيراني.

الرياض – تسعى السعودية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وترسيخ استراتيجية ردع تقوم على توطين الصناعات العسكرية ونقل التكنولوجيا المتقدمة، حيث بدأت بالتعاون مع شركات أميركية متخصصة في الصناعات الدفاعية لتطوير وإنتاج طائرات قتالية بدون طيار داخل المملكة على غرار نظام شاهد الإيراني، الذي تم استخدامه لقصف دول الخليج خلال الأشهر القليلة الماضية.

وتأتي هذه الخطوة في إطار حرص الرياض على امتلاك قدرات تصنيع محلية لأنظمة جوية متطورة قادرة على تنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم والدفاع عن المنشآت الحيوية. بالتزامن مع تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة في النزاعات الإقليمية، وما أثبتته هذه الوسائل من تأثير كبير في تغيير موازين القوة العسكرية بكلفة أقل مقارنة بالمنظومات التقليدية.

وكشف موقع" سيما فور" الأميركي، أن شركة أميركية ناشئة في مجال الدفاع وأخرى سعودية تعملان على بناء مصنع بالقرب من الرياض لتصنيع طائرات مسيرة أحادية الاتجاه طورتها شركة "فيكتور"، تحمل اسم "سكاي واسب"، قادرة على ضرب أهداف على بعد يصل إلى 1500 كيلومتر (930 ميلاً)، أي ما يعادل تقريباً المسافة بين الساحل الشمالي الشرقي للمملكة وطهران.

وأوضح لوسيان زيغلر، كبير مسؤولي الاستراتيجية والمؤسس المشارك لشركة "أي.ارتو" أن البرنامج الذي يتم العمل عليه يمكنه تحقيق تكافؤ الفرص وتعزيز قدرات الردع للسعودية".  وأضاف إنه سينتج "كميات ذات أهمية تشغيلية تتوافق مع متطلبات الردع الاستراتيجي للمملكة". لكنه لم يحدد جدول زمني لبدء الإنتاج، أو الكشف عن حجم الاستثمار.

وستقوم شركة "اس.ار.تو فيكتور" بإنتاج طائرات بدون طيار للسوق السعودي المحلي والتصدير إلى الدول الحليفة.  إذ من المتوقع أن تزيد دول الخليج إنفاقها الدفاعي في أعقاب الحرب مع إيران، سعياً منها لتعزيز الأمن والردع ضد أي هجمات مستقبلية.
وقد وضعت السعودية، التي تمتلك واحدة من أكبر الميزانيات الدفاعية في العالم، ولكنها تستورد معظم معداتها العسكرية، هدفاً يتمثل في توطين 50 بالمئة من هذا الإنفاق بحلول عام 2030.

ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ضوء التهديدات التي تعرضت لها دول الخليج خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، حيث أعادت التطورات الإقليمية الأخيرة، بما فيها استخدام طائرات مسيرة هجومية مشابهة لنظام "شاهد" الإيراني في استهداف مواقع داخل المنطقة، التأكيد على الحاجة إلى امتلاك وسائل ردع فعالة وقادرة على التعامل مع التهديدات غير التقليدية.

وأطلقت إيران آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة على دول الخليج منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير/شباط. ورغم اعتراض معظمها، إلا أن ما تسلل منها أصاب أهدافاً حيوية. وقد اقتصرت حصيلة القتلى في الخليج على أقل من 30 شخصاً، بينما تجاوزت الخسائر في إيران 3000 شخص جراء الغارات الأميركية والإسرائيلية.

وأصبحت طائرة شاهد المسيّرة إحدى أقوى أسلحة إيران. ويُقدّر أن تكلفة إنتاجها تبلغ حوالي 35 ألف دولار، وهو مبلغ أقل بكثير من تكلفة الطائرات الاعتراضية والصواريخ التي استخدمتها دول الخليج لإسقاطها. وهذا التفاوت يدفع حكومات المنطقة إلى البحث عن بدائل، مثل الشراكات مع الشركات الأوكرانية، إذ تُصنّع روسيا نسخة من طائرة شاهد استُخدمت على نطاق واسع في حربها مع أوكرانيا.

ولا تقتصر الرؤية السعودية على شراء المعدات العسكرية الحديثة، بل تركز بصورة متزايدة على بناء قاعدة صناعية دفاعية وطنية تضمن الاستقلالية الاستراتيجية وتقليص الاعتماد على الموردين الخارجيين. وتنسجم هذه الجهود مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تسعى إلى توطين نسبة كبيرة من الإنفاق العسكري وتحويل القطاع الدفاعي إلى رافد اقتصادي وصناعي قادر على خلق الوظائف ونقل المعرفة التقنية المتقدمة.

ويؤكد خبراء أن تصنيع الطائرات المسيّرة محلياً يمنح المملكة مزايا متعددة، من بينها القدرة على تطوير أنظمة تتناسب مع احتياجاتها العملياتية الخاصة، وتسريع عمليات الصيانة والتحديث، إضافة إلى تعزيز جاهزية القوات المسلحة في مواجهة التحديات الأمنية المتغيرة. كما يفتح المجال أمام بناء منظومة صناعية متكاملة تشمل الذكاء الاصطناعي وأنظمة الاتصالات والاستشعار والحرب الإلكترونية.

وتواكب هذه المشاريع استثمارات واسعة في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي والأمن السيبراني والأنظمة البحرية المتطورة، بما يعكس توجه المملكة نحو بناء منظومة ردع متعددة المستويات قادرة على حماية أراضيها ومصالحها الاستراتيجية. ويقوم هذا النهج على الجمع بين التكنولوجيا الحديثة والقدرات المحلية والشراكات الدولية، بما يضمن استدامة التطور العسكري على المدى الطويل.

ومع تسارع سباق التسلح التكنولوجي في المنطقة، تبدو السعودية عازمة على الانتقال من مرحلة الاستيراد العسكري التقليدي إلى مرحلة الإنتاج والتطوير المحلي، بما يعزز مكانتها كقوة إقليمية تمتلك أدوات الردع الحديثة وقاعدة صناعية دفاعية قادرة على مواكبة متطلبات الأمن الوطني والتحديات المستقبلية.