بابا الفاتيكان يعلن الحرب على مقدسات وادي السيليكون!
الفاتيكان - في خطوة تاريخية تضع الكنيسة الكاثوليكية في قلب المواجهة مع القوى التكنولوجية الحديثة، وجّه البابا ليون الرابع انتقادات لاذعة ومكثفة لنفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى (Big Tech)، محولا أخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى رتبة "الواجب الديني والمسؤولية الأخلاقية الفائقة"، وذلك في منشوره البابوي الأول الذي صدر الإثنين.
وفي الوثيقة التعليمية البابوية المكونة من 83 صفحة، والتي حملت عنوان "الإنسانية الرائعة" (Magnifica Humanitas)، صوّر الحبر الأعظم الذكاء الاصطناعي باعتباره "الثورة الصناعية الجديدة".
وأطلق البابا من خلالها نداءً دوليا حاسماً بضرورة "نزع سلاح الذكاء الاصطناعي" عبر انتزاعه من براثن المصالح العسكرية والاقتصادية الضيقة، وإخضاع الشركات الاحتكارية لقيود تنظيمية حكومية ودولية أكثر صرامة، مع كفالة مشاركة مجتمعية واسعة في صياغة مستقبل هذه الطفرة التقنية.
وكتب البابا ليون في منشوره: "إن نزع سلاح الذكاء الاصطناعي يعني تحريره من عقلية المنافسة (المسلحة)، والتي لا تقتصر اليوم على السياق العسكري فحسب، بل تمثل أيضاً ظاهرة اقتصادية ومعرفية".
وأضاف: "النزع لا يعني التخلي عن التكنولوجيا، بل منعها من الهيمنة على البشرية. ولذا، فإن مجرد تنظيمها غير كافٍ؛ بل يجب نزع سلاحها لتصبح تكنولوجيا مرحبة ومتاحة للجميع".
مواجهة "السيليكون" ومخاطر الاحتكار
وسلّطت الوثيقة البابوية الضوء على التهديدات الوجودية الناتجة عن انفراد قلة من الأثرياء بزمام التحكم في مستقبل البشرية وسبل عيشها، محذرة من مغبة تعميق الفجوة الرقمية والاجتماعية وإقصاء الملايين على الهامش.
وجاء في المنشور: "يميل الذكاء الاصطناعي إلى تضخيم قوة من يمتلكون بالفعل الموارد الاقتصادية والخبرات والقدرة على الوصول إلى البيانات. ويمكن لمجموعات صغيرة ولكنها شديدة النفوذ أن توجّه أنماط المعلومات والاستهلاك، وتؤثر على العمليات الديمقراطية، وتدير الديناميكيات الاقتصادية لمصلحتها الخاصة، مما يقوض العدالة الاجتماعية والتضامن بين الشعوب".
وفي قاعة السينودس بالفاتيكان، وأمام حشد من الدبلوماسيين والخبراء، قدّم البابا وثيقته مستندا إلى إرث تاريخي؛ حيث استشهد بالمنشور البابوي الشهير لعام 1891 "الشؤون الحديثة" (Rerum Novarum) الذي صاغه سلفه البابا ليون الثالث عشر لمواجهة مظالم الثورة الصناعية الأولى.
وأوضح البابا ليون الرابع أن منشوره الجديد جاء نتاج استماع عميق ومطوّل لعلماء، ومهندسين، وقادة سياسيين، ومربّين يشاطرون الفاتيكان القلق ذاته على مستقبل الأجيال القادمة.
اختراق تكنولوجي في الفاتيكان: مؤسس Anthropic حاضراً
وفي لفتة بارزة تعكس أبعاد هذا التحرك، قدّم البابا الوثيقة محاطاً بكبار رجال الدين وعلماء اللاهوت، إلى جانب ضيف غير تقليدي في أروقة الفاتيكان: كريس أولاه، الشريك المؤسس لشركة Anthropic الأميركية الرائدة في الذكاء الاصطناعي والمطورة لنموذج Claude، والتي تسوّق نفسها كشركة تركز على الأمان التقني والأخلاقيات الأميركية والغربية في هذا المجال.
وفي كلمته خلال المؤتمر، أقرّ أولاه بالمعضلات التي تواجه قطاع التقنية، قائلاً إن تطوير الذكاء الاصطناعي "يعمل ضمن مجموعة من الحوافز والقيود التي قد تتعارض أحياناً مع القيام بالشيء الصحيح" نتيجة الضغوط التجارية والمخاوف الجيوسياسية والطموحات الشخصية.
وأكد أولاه أن العالم في حاجة ماسة لجهود تضافرية من المجتمعات الدينية، والمجتمع المدني، والحكومات، للسير على خطى الحبر الأعظم في أخذ هذا التحدي بأعلى درجات الجدية لإعادة توجيه مسار الأحداث نحو الأفضل.
الكرامة الإنسانية في مواجهة "الآلات الذكية"
ويتمحور جوهر المنشور البابوي حول مركزية الكرامة الإنسانية وتفوقها المطلق على الآلة، مشدداً على أن هذه الكرامة متجذرة في مجرد الوجود البشري، ولا ترتبط بقدرات الفرد أو ثروته أو منصبه.
وفي عصر روبوتات الدردشة التوليدية (Chatbots)، دق البابا ناقوس الخطر من انزلاق مجتمعي ونفسي؛ محذراً من أن الخطر لا يقتصر على وهم المستخدم بأنه يتحدث إلى كائن بشري، بل يمتلك بعداً أخطر يتمثل في "فقدان الرغبة في البحث عن التواصل الحقيقي مع البشر الآخرين".
كما نبّه من أن توكيل الآلات باتخاذ القرارات المصيرية قد "يشجع على الاعتماد المفرط والبحث عن الإجابات الجاهزة، ويضعف الإبداع والحكم الشخصي للمجتمعات".
ورغم ترحيبه بالآثار الإيجابية للابتكار التقني في مجالات خدمة المجتمع وحماية البيئة، حسم البابا الجدل الفلسفي مؤكداً أن "التكنولوجيا ليست محايدة أبداً"، بل تعكس مصالح وهويات الجهات الصانعة لها.
وفي رد مباشر على المديرين التنفيذيين لوادي السيليكون في البيئة الأميركية الذين يرفضون كبح جماح هذا القطاع،
قال البابا: "إن الدعوة إلى التروي والتقييم الصارم، وحتى إبطاء وتيرة تبني الذكاء الاصطناعي في بعض الأحيان، لا تعني معارضة التقدم؛ بل هي ممارسة للرعاية المسؤولة تجاه الأسرة البشرية".
حرب فكرية على "تجاوز الإنسانية" واعتذار تاريخي
وشنت الوثيقة الفاتيكانية هجوماً عنيفا غير مسبوق على الفلسفات الرائجة في معاقل التكنولوجيا الأميركية، لاسيما تيارات "ما بعد الإنسانية" (Posthumanism) و"تجاوز الإنسانية" (Transhumanism)، التي تروّج لتعريف التقدم البشري عبر دمج الآلة بالجسد والتخلص من القيود البيولوجية كالمرض، والعجز، والشيخوخة. وأكد البابا في المقابل أن "البشرية تزدهر ليس برغم القيود، بل في كثير من الأحيان من خلالها"، معتبراً أن السعي وراء حياة بلا قيود هو في واقع الأمر تخلٍ صريح عن الجوهر الإنساني.
وفي سياق متصل، حذر المنشور من "أشكال جديدة من العبودية" والاستغلال البشري والبيئي الكامن وراء الكواليس البراقة للذكاء الاصطناعي؛ بدءا من انتهاك الملكية الفكرية وتدريب النماذج على مواد محمية بحقوق الطبع والنشر دون إذن، وصولاً إلى ظروف العمالة القاسية في استخراج المعادن النادرة الحيوية لصناعة الأجهزة الذكية.
وفي لفتة تاريخية بالغة الأهمية أثارت أصداءً فورية، استذكر البابا الموقف التاريخي المتذبذب للكنيسة من قضية الرق، والتي لم تَدِنْها الفاتيكان بشكل قاطع وشامل إلا في القرن التاسع عشر على يد البابا ليون الثالث عشر، مستشهداً بهذا التطور البطيء للعقيدة الكاثوليكية كدرس للمستقبل، حيث كتب صراحة: "من أجل هذا، وباسم الكنيسة، أطلب العفو بكل صدق".
كما نبّه الحبر الأعظم من بروز "وجه جديد للاستعمار" لا يستهدف الأجساد أو الأراضي، بل يستولي على البيانات الحيوية للبشر (كالبيانات الصحية، والخرائط الجينية، والمعلومات الديموغرافية)، واصفاً إياها بأنها "العناصر النادرة الجديدة للقوة" في النظام الدولي الجديد.
حظر السلاح الفتاك ذاتي التشغيل
وأفردت الوثيقة البابوية حيزاً واسعاً للملف العسكري، مؤكدة أن الاستخدام الحربي لتقنيات الذكاء الاصطناعي يجب أن يخضع لأشد المعايير الأخلاقية والقيود القانونية صرامة.
وزاد البابا بتشديده على أن المسؤولية الجنائية والأخلاقية عن الأعمال العسكرية، لاسيما تلك التي تؤدي إلى إزهاق الأرواح، يجب أن تظل حصراً في يد البشر وألا تفوّض للآلات تحت أي ظرف.
واختتم البابا نداءه بالدعوة إلى فرض رقابة بشرية صارمة ونهائية، والإسراع في صياغة معاهدات وقوانين دولية ملزمة للتعامل مع "التزايد المقلق" في تطوير واستخدام الأسلحة المؤتمتة والفتّاكة ذاتية التشغيل.