الصفقة الصادمة: إيران ضمن الاتفاق الإبراهيمي
يمكن أن يتأخر توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران ساعات أو أيامًا، لكنه في نهاية المطاف سيتم توقيعها، ليس لأنها الخيار الأفضل، بل لأنها الخيار الوحيد المتاح أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بما يسمح له بالخروج من المستنقع الإيراني بأقل الخسائر، غير أن هذا الخيار قد يتقلص مع مرور الوقت.
فالتأخير سيكون هو الوقت المستقطع الذي يحتاجه ترامب لتهيئة المسرح الإقليمي قبل التوقيع على مذكرة التفاهم، فهناك شريكه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يشعر بالخداع بعد أن تم استبعاده من مسار المفاوضات مع إيران، كما أن هناك حلفاء ترامب في منطقة الخليج الذين يرون أنهم أيضًا لم تتم استشارتهم، لا في اتخاذ قرار الحرب ولا في نتائج المفاوضات التي قد تُبقي على نظام طهران في وضع أفضل وأقوى، ربما منذ سقوط الشاه.
من هنا يمكن فهم المفاجأة التي فجّرها الرئيس الأميركي بدعوة إيران للانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، بعد أن رفضتها السعودية. وبالفعل، هذه ليست مفاجأة بقدر ما هي قنبلة من العيار الثقيل قد تزيل كل الآليات والديناميات الاستراتيجية التي ترسخت في منطقة الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وبرغم أن الترجيحات تشير إلى أن ترامب لن يصادف نجاحًا في مسعاه، وأنه في النهاية سيكون عليه التوقيع بما هو مسموح به، إلا أن هناك نسبة نجاح، ولو ضئيلة، لإمكانية تحقيق هذا الانقلاب، خاصة أن القيادات التي تدير المشهد الحالي، سواء ترامب أو الإيرانيون، الرابط بينهم هو البراغماتية.
قراءة هذا المشهد المعقد ستتراوح بين مدى إمكانية موافقة طهران، والضغوط التي قد تواجهها، والموقفين الصيني والروسي، اللذين يمثلان حلفاء الظل للإيرانيين.
فكرة ترامب لدمج إيران في الاتفاق الإبراهيمي بمثابة المقايضة الكبرى، فهو رجل صفقات تجارية بالأساس، وعندما يواجه رفضًا أو شروطًا معقدة من الجانب الخليجي، مثل إصرار الرياض على مسار واضح لحل الدولتين كشرط للتطبيع، فإنه يميل إلى قلب الطاولة. والفكرة تقوم على منح إيران شرعية كاملة واعترافًا بنفوذها المقنن في مضيق هرمز، مقابل دخولها في المعادلة الأمنية الإقليمية الجديدة التي تضمن أمن إسرائيل.
وبالنسبة للتفكير الترامبي، فإن هذا السيناريو يمثل ضربة مزدوجة؛ يمنحه الجائزة الكبرى التاريخية التي تفوق مكاسب أي رئيس أميركي سابق، وفي الوقت نفسه يمثل نوعًا من العقاب السياسي أو الضغط العالي على العواصم الخليجية التي لم تتماشَ مع رغبته السريعة في التوقيع دون شروط.
والسؤال: هل يمكن أن توافق طهران على الدمج؟ وما الذي يجبرها على ذلك، خاصة أنها تحصل بالتفاوض على ما تريده؟ والإجابة ستكون انطلاقًا من عقيدة البقاء والبراغماتية التي يتميز بها النظام الإيراني. فرغم أن الأيديولوجيا المعلنة تقوم على معاداة إسرائيل والموت لأمريكا، إلا أن عقيدة النظام السياسية تقوم على تقديم بقاء النظام ومصالحه الاستراتيجية العليا على أي شعارات، ولهذا سوابق تاريخية تابعناها أثناء فضيحة “إيران كونترا”.
فإذا كان المقابل اعترافًا أميركيًا صريحًا بشرعية النظام وعلاقات كاملة مع واشنطن، مضافًا إليه سيطرة إدارية على مضيق هرمز، ورفع الحصار، والإفراج عن أصوله وأمواله المجمدة في البنوك الغربية، فإن طهران قد تجد في ذلك عرضًا لا يمكن رفضه.
ما قد يجبر طهران على السير في هذا المسار الصادم هو حجم الإنهاك الاقتصادي الداخلي، وخشية النظام من تجدد الاضطرابات الشعبية بسبب الحصار البحري، بالإضافة إلى الرغبة في تحويل فائض القوة العسكرية والتخصيب النووي إلى مكاسب سياسية دائمة ومستقرة تؤمن مستقبل النظام لأجيال قادمة.
وقد تغلف طهران هذا التوافق بمسميات تضمن عدم إظهاره كتطبيع مباشر في المراحل الأولى، بل كاتفاق أمني إقليمي لضمان الاستقرار، فضلًا عن أنه يمكن تسويقه داخليًا كانتصار كاسح على "الشيطان الأعظم" الذي سقط "أمام إرادة الشعب الإيراني".
ما بقي هو موقف حلفاء الظل، الصين وروسيا، وهل سيكون ذلك بالتوافق معهما؟ هذا السيناريو يمثل اختبارًا حقيقيًا للحلف الشرقي، فقد قدمتا دعمًا لإيران طوال الفترة الماضية كأداة لاستنزاف النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، لكنهما في الوقت نفسه تتعاملان بحذر شديد مع فكرة خروج إيران تمامًا من فلكهما نحو ترتيبات أمنية تقودها واشنطن.
بالنسبة للصين، فما يهمها أولًا وأخيرًا هو استقرار تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز، لأنها المستورد الأكبر للنفط الإيراني والخليجي. وأي توافق يضمن أمن الملاحة ويعيد فتح المضيق يخدم مصالح بكين الاقتصادية، لكن دمج إيران بالكامل في منظومة أميركية إبراهيمية قد يزعج بكين لأنه يقلص أوراق ضغطها الجيوسياسية في مواجهة واشنطن.
أما بالنسبة للموقف الروسي، فقد تكون موسكو الأكثر قلقًا من هذا السيناريو، فوجود إيران في حالة مواجهة مستمرة مع الغرب يخدم موسكو عبر تشتيت الانتباه الأميركي عن جبهة أوكرانيا وأوروبا الشرقية. وتسوية شاملة بين ترامب وطهران تعني تفرغ واشنطن لملفات أخرى، مما قد يدفع موسكو لمحاولة عرقلة هذه الاندماجات الشاملة أو الضغط على طهران للاحتفاظ بهامش مناورة واسع بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية المطلقة.
التغيرات في المشهد الحالي قد تعيد صياغة قواعد اللعبة بالكامل، فبينما كان الجميع يتوقع أن الحرب ستنتهي بتفكيك قدرات إيران، يبدو أن ضغوط الميدان وحسابات ترامب الانتخابية والاقتصادية تدفعه نحو هندسة صفقة إقليمية غير تقليدية، تحضر فيها طهران كلاعب رئيسي يُعرض عليه مقعد في صدارة الترتيبات الجديدة.
على كل حال، لمعرفة المدى الذي بلغته التعقيدات الحالية، يكفي التوقف عند أحد شروط طهران الأساسية الآن والمتمثل في تفكيك القواعد العسكرية الأميركية في الخليج.
في النهاية، فإن الموقف الحالي هو نتيجة انخراط البيت الأبيض في حرب دون تخطيط ورؤية واضحة، لدرجة قد يجد ترامب الذي وصف اتفاق أوباما النووي لعام 2015 بأنه "أسوأ اتفاق في التاريخ"، نفسه أمام ثلاث مسارات: أولها أن يتفاوض على صفقة تبدو أدنى بكثير من اتفاق الرئيس أوباما. الثاني، العودة للخيار العسكري وما يحمله من تبعات سياسية واقتصادية وعسكرية غير محتملة. الثالث، الاكتفاء بتوقيع "مذكرة التفاهم" الحالية التي تمنح جميع الأطراف الحد الأدنى من المتطلبات، ثم الدخول في مفاوضات طويلة الأجل قد تستمر ما تبقى من فترته الرئاسية، وهذا هو السيناريو الأكثر ترجيحًا.