وهم الهمينة.. ماذا يبقى بعد الحرب
"ليس هذا هو الطريق"، كان ذلك عنوان مقال كتبه المفكر اليهودي إحاد هعام عام 1889 والذي أثار في حينه جدلًا واسعًا، إذ انتقد فيه موجة الهجرة اليهودية الأولى إلى فلسطين، والنهج الاستيطاني الذي رآه متسرعًا وخاطئًا، مؤسسًا بذلك لتيار عُرف لاحقًا بـ"الصهيونية الروحية"، في مواجهة الصهيونية السياسية التي ارتبطت باسم تيودور هرتسل.
والآن، بعد أكثر من قرن وثلاثة عقود، يبدو أن الذاكرة السياسية لم تحتفظ من ذلك التحذير إلا بصداه البعيد؛ إذ تنزلق مجددًا في وحل نشوة الهيمنة والتفوق الإقليمي، غير أن موضع التسرع هذه المرة لم يعد السياق الفلسطيني وحده، بل السياق الإيراني، بكل ما يحمله من ارتدادات أوسع على ديناميات المنطقة بأكملها.
ومع إعلان رئيس الأركان الإسرائيلي أن "هيكل النظام الإيراني، قد تصدّع بشكل ملحوظ، ومستقبله واستقراره يكتنفهما الغموض"، يتبدى سؤال صعب يفرض نفسه بهدوء، بعيدًا عن ضجيج التصريحات: هل تنجح القوة العسكرية وحدها في إسقاط الأنظمة؟
في التجربة التاريخية، لا تسقط الأنظمة لمجرد تعرضها للقصف أو الاستهداف، ولا لأنها تتعرض لضغط خارجي واسع، بل تبدأ في التفكك حين تفقد شرعيتها من الداخل، ويتخلى حراسها عن موقعهم، وحين تتزعزع الطاعة، فهذه الشروط، على وجه التحديد، لم تكن حاضرة في إيران خلال المواجهات الأخيرة.
فالنظام في طهران لم يكن يمر بلحظة انهيار مؤسسي، بقدر ما كان يواجه لحظة حصار مركّبة، بفعل ضغوط داخلية ومهددات إقليمية متزامنة. وقد أسهم ذلك في إنهاكه، لا في إسقاطه، فمع اندلاع الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، وجد النظام في الخطر الخارجي ما كان يحتاج إليه من لحظة تعبئة وطنية، أو على الأقل حالة من التضامن القسري تحت وطأة التهديد.
لذلك، يُخطئ من يظن أن الكراهية الشعبية تتحول تلقائيًا إلى حراك ثوري كلما اشتدت الضربات الخارجية، فربما يبدو هذا الافتراض متماسكًا في أوراق تقديرات الموقف، لكنه سرعان ما يتهاوى أمام منطق التجربة على الأرض، ففي وقت الحرب، قد يتراجع الصراع مع النظام خلف شعور أوسع بالخطر، فتلتبس صورة السلطة بصورة الوطن، وتصبح الحدود الفاصلة بين الغضب الداخلي والتهديد القادم من الخارج أقل وضوحًا.
وهنا تكمن المفارقة، إذ يكشف علم النفس السياسي أن المجتمعات التي تعيش حربًا تُشنّ على دولها، حتى وهي واقعة تحت أنظمة استبدادية، قد تشهد تحولًا وجدانيًا جماعيًا لا إراديًا؛ فتتراجع الخلافات الداخلية مؤقتًا، ويتقدم الشعور بالهوية المشتركة والخطر المشترك.
وفي هذا السياق، يقدّم التاريخ شواهده بوضوح؛ فالبريطانيون، رُغم انقساماتهم الطبقية والسياسية، أظهروا قدرة على التماسك والصمود أثناء قصف الطائرات الألمانية لأحياء لندن بين عامَي 1940 و1941، فيما عُرف لاحقًا بـ"روح البليتز". وكذلك نجد المجتمع الشيشاني قد تعمّقت هويته الجماعية تحت القصف الروسي العنيف على مدينة غروزني في حربَي الشيشان الأولى والثانية. وفي لبنان، حيث طالما مزّقت الطوائف والولاءات نسيج المجتمع، دفعت حربا 1982 و2006 قطاعات واسعة إلى تعليق خلافاتها، حين اقترب الخطر الخارجي من عتبة الداخل.
فما جرى يكشف، في جوهره، عن خلل في فهم الطبيعة العميقة للدولة، وعن خلط خطير بين النظام الحاكم والكيان الوطني، فحين ينتقل الصراع إلى الأرض والسيادة والسماء المفتوحة، يتراجع التمييز بين الاثنين، وتستطيع السلطة أن ترتدي عباءة الوطن. عندها يجد النظام، الذي طالما افتقر إلى خطاب وطني جامع، ما كان يبحث عنه من دون عناء، بعد أن أُتيحت له فرصةً لاستعادة قدر من التوافق الداخلي.
من هذا المنطلق، لا تبدو مواجهة النظام الإيراني مسألة تُحسم بالقوة العسكرية وحدها؛ فهذه الأنظمة غالبًا ما تُجيد البقاء تحت الضغط الخارجي أكثر مما تُجيد إصلاح نفسها أو مصالحة شعوبها. ومن هنا يبرز السؤال الاستراتيجي الأشد إلحاحًا: هل حققت إسرائيل بهذا النهج ما كانت تطمح إليه؟
على الأرجح أن الإجابة تميل إلى النفي، فدولة في حجم إسرائيل، البالغ عدد سكانها نحو عشرة ملايين نسمة، مهما راكمت من قوة عسكرية وتفوق تكنولوجي، لا تستطيع أن تؤسس هيمنة دائمة على إقليم واسع يتجاوز سكانه خمسمائة مليون نسمة. إذًا، فالمسألة هنا تتعلق بحدود القوة ذاتها؛ إذ قد يحسم التفوق العسكري جولة من الصراع، لكنه قد يخلّف وراءه رواسب بعيدة المدى تُعقّد فرص تحقيق استقرار مستدام.
وبالنظر إلى المشهد الراهن، يبرز تحذير أحاد هعام مجددًا لا بوصفه اقتباسًا من الماضي، بل كأنه تعليقٌ على الحاضر.. "ليس هذا هو الطريق"، فحين يتضح أن القوة حين تعجز عن تحقيق الأمن، فإنها لا تترك خلفها سوى الإنهاك، وعندها يتحول الردع إلى دائرة مفتوحة من الضربات والردود، ويصبح هاجس "الأمن" أشبه بمطاردة عبثية لظلٍ لا يُمسك.