هل يقف حزب الله في مواجهة التسوية أم في مواجهة لبنان نفسه
لم يكن الرفض الذي أعلنه أمين عام حزب الله نعيم قاسم لاتفاق وقف إطلاق النار الذي خرجت به الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن مجرد اعتراضٍ على بند تقني أو تحفظٍ على آلية تنفيذية. ففي جوهره، بدا الموقف وكأنه رفض للمسار السياسي بأكمله، وللفكرة التي تقف خلفه: أن تصبح الدولة اللبنانية، لا أي قوة أخرى، صاحبة القرار النهائي في قضايا الحرب والسلم.
هنا تحديدًا تكمن أهمية اللحظة الحالية، فعلى مدى عقود، نجح الحزب في تقديم نفسه بوصفه قوة مقاومة تحمي لبنان من إسرائيل. لكن التطورات التي أعقبت حرب غزة وما تبعها من "حروب إسناد" في لبنان والمنطقة وضعته أمام سؤال مختلف: ماذا يحدث عندما تصبح الدولة اللبنانية نفسها شريكًا في مسار تفاوضي يهدف إلى إنهاء المواجهة العسكرية؟
لغة المنتصر أم خطاب المهزوم؟
في السياسة، كما في الحروب، لا تكمن أهمية الخطاب في ما يقوله فقط، بل في الظروف التي يُقال فيها، فحين يصف نعيم قاسم الاتفاق المقترح بأنه "استسلام" و"هزيمة"، فإنه يتحدث بلغة توحي بأنّ الحزب لا يزال يمسك بزمام المبادرة الاستراتيجية في المنطقة.
غير أنّ الوقائع الميدانية والسياسية تشير إلى صورة مختلفة، لا سيما أنّ الحزب خرج من المواجهات الأخيرة مثقلًا بالخسائر البشرية والعسكرية والاقتصادية. كما تعرضت بيئته الاجتماعية لضغوط غير مسبوقة نتيجة الحرب والدمار والنزوح وتراجع الأوضاع المعيشية.
أما إقليميًا، فقد شهدت شبكة الحلفاء التي شكّلت على مدى سنوات ما عُرف بمحور المقاومة سلسلة انتكاسات متلاحقة، من غزة إلى لبنان وصولًا إلى الضغوط المتزايدة على إيران نفسها، حتى في ظل مفاوضاتها المتأرجحة مع الولايات المتحدة.
ومن هنا يبدو خطاب الرفض الذي جاء على لسان نعيم قاسم أقرب إلى محاولة الحفاظ على صورة الانتصار المعنوي منه إلى تعبير عن موقع قوة فعلي.
الدولة تستعيد موقعها
ربما يكون التطور الأبرز في المشهد اللبناني الحالي هو أنّ المبادرة لم تعد في يد حزب الله وحده، فالرئيس جوزيف عون والحكومة اللبنانية يتحركان منذ أشهر على قاعدة مختلفة: تثبيت سلطة الدولة، وتوسيع دور الجيش، وإعادة حصر القرار السيادي بالمؤسسات الرسمية.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يبدو أنّ المجتمع الدولي، وخصوصًا الولايات المتحدة، لا يتعامل مع لبنان من خلال قنوات موازية للدولة، بل من خلال الدولة نفسها.
ولعل البيان المشترك الصادر في أعقاب انتهاء الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن كان واضحًا في هذا المجال حين أكد أنّ مستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل يجب أن تقرره الحكومتان السياديتان للبلدين، لا أي جهة أخرى.
هنا بالذات يبرز المأزق الحقيقي الذي يواجه حزب الله، فالجولة الرابعة من مفاوضات واشنطن التي تقرَّر مواصلتها بجولةٍ خامسة تُجرى في الثاني والعشرين من يونيو/حزيران الجاري لا تستهدف وجود الحزب السياسي داخل المجتمع اللبناني، بل تستهدف وضعه العسكري بوصفه قوة مستقلة عن الدولة.
وبالتالي فإنّ رفض الاتفاق لا يبدو اعتراضًا على إسرائيل فحسب، بل اعتراضًا على المسار الذي تسعى الدولة اللبنانية إلى ترسيخه.
ماذا بعد "حروب الإسناد"؟
لا يمكن فهم النقاش الحالي من دون العودة إلى تجربة "حروب الإسناد" التي انطلقت بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول ، فالحزب دخل تلك المواجهة تحت شعار دعم غزة ومنع عزلها، لكن النتيجة النهائية التي يراها كثير من اللبنانيين اليوم تختلف عما كان مأمولًا، لا سيما أنّ الجنوب تعرض لدمار واسع، والاقتصاد اللبناني تكبد خسائر إضافية، فيما لم تتغير المعادلات الإقليمية بالقدر الذي كان يطمح إليه مؤيدو خيار المواجهة.
ومن هنا بدأت تظهر، حتى داخل بعض البيئات التي كانت تقف تقليديًا إلى جانب الحزب، أسئلة لم تكن مطروحة بهذا الوضوح من قبل: هل تستحق الحروب المفتوحة هذه الأكلاف؟ وهل ما زالت استراتيجية المواجهة الدائمة تحقق المكاسب التي كانت تحققها سابقًا؟
ملامح الفرصة الأخيرة
حين وصف الرئيس جوزيف عون نتائج مفاوضات واشنطن بأنها تمثل "الفرصة الأخيرة" للوصول إلى وقف نهائي وشامل لإطلاق النار، لم يكن يوجه رسالة إلى إسرائيل فقط بل إلى الداخل اللبناني أيضًا، لا سيما أنّ لبنان يقف اليوم أمام خيارين متناقضين:
الخيار الأول يتمثل في الاستمرار ضمن منطق الجبهات المفتوحة، حيث يبقى الجنوب ساحة صراع إقليمي وتبقى الدولة عاجزة عن احتكار قرارها السيادي.
أما الخيار الثاني فيقوم على تثبيت وقف النار، وتعزيز دور الجيش، واستعادة الدولة لمسؤولياتها الكاملة، تمهيدًا لمرحلة مختلفة من الاستقرار، الأمر الذي سرعان ما بدأت ملامحه الأولية بالظهور بعد ساعاتٍ قليلة من صدور البيان الختامي للجولة الرابعة من مفاوضات واشنطن لدى انسحاب الجيش الإسرائيلي من بعض المناطق في قضاء مرجعيون ودخول الجيش اللبناني إليها، في إطار تطبيق خطة "المناطق التجريبية" التي تحدّث عنها البيان.
ومع العلم أنّ ذلك لا يعني أنّ السلام بات قريبًا أو أن الصراع التاريخي انتهى، لكن ما أصبح واضحًا هو أن جزءًا متزايدًا من اللبنانيين بدأ ينظر إلى الاستقرار بوصفه مصلحة وطنية لا تقل أهمية عن شعارات المواجهة التي رفعها حزب الله خلال العقود الماضية.
السلام يبدأ من الاستقرار
قد يكون الحديث عن السلام بين لبنان وإسرائيل ما زال مبكرًا في نظر كثيرين. فالذاكرة الجماعية مثقلة بالحروب والاحتلالات والدمار والضحايا، والانقسامات الداخلية اللبنانية لا تزال عميقة، كما أن الملفات العالقة بين الطرفين لم تُحل بعد.
لكن التاريخ يعلمنا أن السلام لا يولد عادة من القناعات الأخلاقية المجردة، بل من تراكم المصالح المشتركة والشعور المتبادل بأن الاستقرار أقل كلفة من الصراع.
ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن قراءة المسار الذي انطلق في واشنطن. فإذا نجح الطرفان في تثبيت الهدوء على جانبي الحدود، وإذا تمكن الجيش اللبناني من توسيع حضوره الميداني، وإذا تراجعت احتمالات الانزلاق إلى مواجهات دورية، فإن فكرة السلام نفسها قد تنتقل تدريجيًا من خانة المستحيل إلى خانة الممكن.
ولعل السؤال الحقيقي المطروح اليوم يتعلق بما إذا كان حزب الله مستعدًا للتكيف مع لبنان الجديد الذي تحاول الدولة بناءه، أم أنه سيواصل خوض معركة أصبح كثيرون يرون أنها لم تعد مع إسرائيل وحدها، بل مع مسار قيام الدولة اللبنانية نفسها.