تساؤلات الزمن السياسي وهوية الدولة.. قراءة في مفاصل الانتقال السوري
تتصارع في المشهد السوري الراهن مقاربتان للزمن السياسي لا تلتقيان، بل تتنافران اشتداداً كلما تقدم مسار إعادة البناء؛ المقاربة الأولى تنظر إلى السلطة كضيف على التاريخ، تدرك أن مهمتها ليست الاستحكام بالقرار ومفاصل الدولة بل تسهيل الانتقال، وأن دورها يقتصر على كونها جسراً عابراً نحو ترتيبات سياسية أكثر استقراراً وشمولية، والمقاربة الثانية تتصور ذاتها قدراً ثابتاً لا يُنازع، كأنما التاريخ قد توقف عند لحظة توليها، فتتعامل مع مؤسسات الدولة وأدواتها بمنطق التملك لا التوكيل، وهذا الفارق، "بسيطاً كما يبدو"، هو الذي يُحدد كل ما سيأتي من قرارات، لأنه يُعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع من أساسها، فالسلطة التي تفهم نفسها مؤقتة تميل نحو الشفافية والحوار والمشاركة، لأنها تبحث عن شرعية تتجاوزها إلى مستقبل يستمر بعد رحيلها، بينما السلطة التي تتصور نفسها أبدية تستبعد وتستأثر وتُغلق الأفق بمستوياته كافة، لأن أي تنوع يُشكل تهديداً لصورة الثبات التي تُريد تسويقها.
وإذا كان الزمن السياسي يُحدد طبيعة القرار، فإن هوية الدولة تُحدد من يُشارك في صنعه، والمخاوف هنا تتجه نحو احتمال تحويل الدولة من فضاء مشترك تتسع فيه الهويات المتعددة، إلى مشروع هوياتي ضيق يفرض رؤية دينية أو عرقية واحدة، فسوريا بتاريخها الطويل وتركيبتها المعقدة، لم تكن يوماً دولة هوية واحدة بمعنى المطابقة الصارمة، بل كانت دولة تعددية بامتياز، يتقاسم مواطنوها الفضاء العام رغم اختلاف مرجعياتهم، والخطر الأكبر اليوم ليس في تغيير النظام السياسي فحسب، بل في تحويل تغيير النظام إلى تغيير لطبيعة الدولة نفسها، فتتحول من ساحة حيادية تضمن للجميع حق المشاركة المتساوية، إلى أداة لفرض رؤية أيديولوجية تُقصي من لا ينتمي إليها، وهذا التحول "إن حدث" لن يكون مجرد انحراف عن مسار الثورة، بل سيكون نقيضاً لها، لأن الثورة انطلقت مطالبة بالحرية والكرامة للجميع، لا لفرقة دون أخرى.
ومع ذلك، تبقى هوية الدولة رهينة بمصدر الشرعية الذي تستمد منه السلطة وجودها، فالشرعية التي تُبنى على مناورات دبلوماسية واتفاقيات دولية قد تُضفي على السلطة غطاءً خارجياً يُسهّل تبادلها الاعترافات ويفتح الأبواب المغلقة، لكنها في النهاية شرعية سطحية لا تمسّ جذوراً شعبية عميقة، والسلطة التي تعتمد على الخارج في تأكيد وجودها تظل هشة، لأنها تُصبح رهينة لتقلبات المواقف الدولية وتناقضاتها، ويفقد قرارها الوطني استقلاله، بينما الشرعية التي تنبع من إجماع وطني حقيقي، ومن حوار داخلي يُنتج توافقات ذات ثقل، هي وحدها التي تمنح السلطة الاستقرار والقدرة على مواجهة التحديات، والمأساة أن الحوار الوطني اليوم غائب أو شكلي، فالتواصل الافتراضي والتسريبات الإعلامية لا تُغني عن منصة وطنية منظمة بأجندات واضحة وشفافة، وغياب هذه المنصة يعني تحويل خلافات البناء الطبيعية إلى صراعات تُضيع ما تبقى من طاقة الشعب المنهك.
الحوار هنا ليس رفاهية يمكن الاستغناء عنه، بقدر ما هو البديل الوحيد عن الانهيار، فالدول التي نجحت في تجاوز مراحل الانتقال هي التي أنشأت آليات حوار حقيقية، تسمح باختلاف الرؤى دون اشتعال الصراع، وتُحول الخلاف إلى مادة للبناء لا للهدم، وسوريا اليوم في أمس الحاجة إلى مثل هذا الحوار، لأن تراكم الخلافات دون قنوات لتصريفها يُنتج انفجارات لا يمكن التحكم بها، ويُحول الانتقال السياسي من فرصة إلى كارثة.
ولعل أخطر ما يُهدد مسار إعادة البناء هو شعور جيل الثورة بالإقصاء، فهذا الجيل، الذي امتلك أدوات المعرفة والتواصل واللغات، والذي دفع الثمن الأكبر في سنوات الصراع، لم يكن مجرد أداة لإسقاط نظام، بل كان وعداً بمشاركة حقيقية في صناعة المستقبل، وإقصاؤه من عملية إعادة البناء، أو تهميشه لصالح نخب تقليدية أو قوى خارجية، يُحوّل الإنجاز إلى خيبة، والأمل إلى يأس، وطمأنة هذا الجيل ليست منّة تُمنح من فوق، بل استحقاق لمن دفع الثمن وقدّم التضحيات، وإهماله يعني إهدار أهم رأس مال بشري تمتلكه سوريا في هذه اللحظة الحرجة، خاصةً أن المستقبل لن يُبنى بالحديد والأسمنت فحسب، بل بالأفكار والطاقات التي تستطيع أن تُعيد إنتاج الحياة العامة، ومن يفقد هذا الجيل يفقد سوريا نفسها.
اتساقاً مع ما سبق ثمة سؤال جوهري حول طبيعة السلطة وعلاقتها بالمجتمع؛ فالسلطة التي تفهم نفسها ضيفاً على التاريخ، والدولة التي تظل فضاءً مشتركاً للجميع، والشرعية التي تنبع من الداخل، والحوار الذي يُشكل منصة حقيقية للبناء، والمشاركة التي تُعطي جيل الثورة حقه في المستقبل، كلها وجوه لقضية واحدة؛ هل ستكون سوريا دولة للجميع، أم دولة لفرقة تستأثر بالقرار وتُقصي الآخرين؟. والإجابة على هذا السؤال ليست نظرية بل عملية، تتجسد في كل قرار يُتخذ وكل قانون يُشرع وكل مؤسسة تُبنى، فالانتقال السياسي الناجح لا يقاس بسرعة إنجازه، بل بقدرته على إنتاج ترتيبات تضمن للجميع المكانة المتساوية، وتُحول الصراع على السلطة إلى تنافس ديمقراطي، والتنوع الهوياتي إلى ثروة لا إلى مصدر انقسام.
إن المرحلة الانتقالية، بكل ما تحمله من هشاشة وغموض، لا تُقاس بما تُنجزه من مؤسسات أو تُقرره من قوانين وحسب، بل بما تُرسخه من وعي جديد يتجاوز لحظتها إلى ما بعدها. إنها مرحلة تتطلب زمناً سياسياً له غاياته وأهدافه، زمناً لا يُقاس بالساعات والأيام بل بقدرته على إعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والمجتمع من جذورها، فالانتقال الناجح ليس مجرد تبديل وجوه أو تغيير أسماء، بل هو إعادة بناء للثقة المفقودة بين الدولة ومواطنيها، عبر إثبات أن السلطة ليست ملكاً خاصاً ولا غنيمة حرب، بل وديعة تُسلم إلى الجميع وتُحاسب عليها الجميع، وهذا الزمن السياسي المُتمدد بغاياته التي تتجاوز المصلحة الضيقة، هو وحده الكفيل بتحويل لحظة التحول من فرصة عابرة إلى منعطف تاريخي يُعيد لسوريا روحها المشتركة، ويُبقيها دولةً تتسع لكل من يريدها وطنًا، لا مجرد ساحة تتقاسمها القوى المتصارعة على أنقاض شعبها.