تحويل الدعم من عيني إلى نقدي يُثير مخاوف المصريين
القاهرة - أثار قرار الحكومة المصرية تحويل الدعم من عيني إلى نقدي قلقًا شعبيًا واسعًا، وسط مخاوف من أن يؤدي هذا الإجراء إلى مزيد من تدهور القدرة الشرائية، بينما تؤكد القاهرة أن الخطوة تهدف إلى توجيه الدعم إلى مستحقيه، في إطار إصلاحات اقتصادية يشترطها صندوق النقد الدولي لتمويل مصر، في ظل أزمة مالية تفاقمت بفعل ارتفاع الديون وشح السيولة.
وتقوم الفكرة الجديدة على تقسيم المواطنين إلى شرائح اجتماعية واقتصادية، بحيث يحصل الأكثر احتياجاً على دعم نقدي أكبر، بينما تُخفض قيمة الدعم تدريجياً للفئات الأقل احتياجاً، في محاولة لتحقيق "عدالة أكبر" وتوجيه الموارد إلى الفئات الأشد فقراً.
وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أعلن أن الحكومة ستبدأ تطبيق منظومة الدعم النقدي اعتباراً من العام المالي المقبل، في إطار خطة حكومية لإعادة هيكلة الإجراء الذي يستفيد منه عشرات الملايين عبر بطاقات التموين والسلع الأساسية.
لكن هذا التحول لا يُنظر إليه فقط كقرار إداري أو تقني، بل كإعادة صياغة كاملة للعلاقة بين الدولة والمواطن في ملف شديد الحساسية يتعلق بالأمن الغذائي ومستوى المعيشة. وتعتمد مصر منذ عقود طويلة على منظومة الدعم السلعي، خاصة الخبز والسلع التموينية، باعتبارها أحد أهم أدوات الحماية الاجتماعية في بلد يتجاوز فيه عدد المستفيدين من الدعم التمويني نحو 68 مليون مواطن.
وفي ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للجنيه المصري، تخشى فئات واسعة من المواطنين أن يؤدي التحول إلى الدعم النقدي إلى تآكل قيمته الفعلية، خصوصاً إذا لم تتم مواءمته مع معدلات التضخم المتسارعة.
وتستند هذه المخاوف إلى تجارب دولية سابقة، حيث أدى هذا الإجراء في بعض الدول إلى ارتفاع الأسعار الفعلية للسلع الأساسية دون قدرة الدعم النقدي على التعويض الكامل.
وتدافع الحكومة عن خطتها باعتبارها "نقلة نوعية" في إدارة الموارد العامة، مؤكدة أن النظام الحالي يعاني من تسربات وهدر في الدعم، وأن الدعم النقدي سيتيح استهدافاً أدق للفئات المستحقة.
وبحسب تصريحات رئيس الوزراء، فإن الهدف الأساسي هو إعادة توزيع الدعم بما يضمن وصول الحصة الأكبر إلى الشرائح الأشد احتياجاً، مع تطوير آليات رقمية وقواعد بيانات حديثة تحدد بدقة المستفيدين.
كما أشارت الحكومة إلى رفع مخصصات الدعم والحماية الاجتماعية في الموازنة إلى نحو 832.3 مليار جنيه، في محاولة للتأكيد على استمرار التزام الدولة بشبكة الأمان الاجتماعي رغم التغيير في آلية التنفيذ.
وأبدى بعض نواب بالبرلمان المصري تأييداً مبدئياً لفكرة ترشيد الدعم، لكنهم حذروا في الآن ذاته من مخاطر التطبيق السريع دون بنية تقنية وإدارية مكتملة.
ويرى النائب بلجنة الخطة والموازنة مصطفى سالم أن نجاح التجربة يتوقف على إنشاء قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة، ونظام إلكتروني قادر على منع الأخطاء التي قد تؤدي إلى استبعاد مستحقين أو إدراج غير مستحقين، وفق موقع "أخبار شمال إفريقيا''.
كما دعا إلى تطبيق تدريجي للمنظومة، إما على مراحل أو في محافظات محددة، لاختبار الآليات قبل تعميمها على مستوى الجمهورية، في ظل حساسية الملف واتساع قاعدة المستفيدين.
وشهدت منصات التواصل الاجتماعي، موجة من الانتقادات والتخوفات من أن يؤدي التحول إلى الدعم النقدي إلى ارتفاع غير مباشر في الأسعار، أو تآكل القيمة الحقيقية للدعم مع الوقت.
ويرى منتقدون أن الدعم السلعي، رغم عيوبه، يضمن استقراراً نسبياً في أسعار السلع الأساسية، بينما قد يفتح الدعم النقدي الباب أمام تقلبات السوق بشكل أكبر، خصوصاً في بيئة تضخمية.
بدوره حذر الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة حذر من أن التحدي الأكبر ليس في الفكرة ذاتها، بل في آليات التنفيذ، مؤكداً ضرورة وجود منصة موحدة دقيقة لتحديد المستحقين، مع رقابة صارمة لضمان العدالة، مشددا على أن أي أخطاء في التطبيق قد تؤثر مباشرة على قبول المجتمع للنظام الجديد، وقد تخلق توتراً اجتماعياً إذا شعر المواطنون بتراجع فعلي في مستوى الدعم.
في المقابل، رأى الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن التحول إلى الدعم النقدي قد يكون "ضرورة اقتصادية" في ظل الضغوط المالية، مشيراً إلى أنه يتماشى مع متطلبات إصلاح هيكلي تدعو إليه مؤسسات مالية دولية، في مقدمتها صندوق النقد الدولي.
لكنه أشار أيضاً إلى أن هذه الخطوة قد تتطلب إعادة تقييم شاملة لعدد المستفيدين وشروط الانتفاع، ما قد يغير شكل منظومة الحماية الاجتماعية في مصر بشكل جذري.
وبين اعتبارات الإصلاح المالي ومتطلبات التمويل الخارجي، تبدو الحكومة المصرية أمام معادلة معقدة: تقليل كلفة الدعم على الموازنة من جهة، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي من جهة أخرى.
وفيما تؤكد القاهرة أن التحول سيُنفذ بشكل تدريجي وتحت رقابة دقيقة، تبقى المخاوف قائمة من أن أي خلل في التنفيذ قد يحول الإصلاح إلى عبء اجتماعي جديد، خاصة في بلد يعتمد فيه عشرات الملايين على الدعم كجزء أساسي من دخلهم اليومي.
وفي المحصلة، لا يبدو النقاش حول الدعم النقدي في مصر مجرد نقاش تقني حول آلية توزيع الموارد، بل هو جدل أوسع حول شكل الدولة الاجتماعية، وحدود الإصلاح الاقتصادي، وتوازنات الاستقرار في مرحلة اقتصادية حساسة داخلياً وخارجياً.