أحمد المؤذّن الباحث عن أنفاسه في دنيا الكتابة
مبدع يعتبر الكتابة أوكسجينه الذي يُبقيه حيًا يتنفس، فينطلق في ميدان الكتابة ما بين القصة والرواية فتتشكل جوانب تجربته الغنية الحضور وتمضي في مراحل نضجها إلى عـتبات الجمال حتى تنال وسـام دائرة الثقافة في حكومة الشارقة، بنشر روايته "ما بعد غيبوبة الضبع" لهي جديرة بالوقوف عـندها بتسليط الضوء عـليها وفي هذا الحوار نحاول أن نلامس بعض خيوط هذه التجربة، التي ما تزال تكتب فصولها، وتطرح أسئلتها، وتراهن على قـدرة السرد في أن يضيء المناطق المعتمة من الروح الإنسانية.
سؤال البدايات والوعي الأول: في كل تجربة إبداعـية لحظة تأسيس خفية، لحظة يدرك فيها الكاتب أن الكتابة لم تعد مجرد هواية بل قدرًا وجوديًا . متى شعرت أن السرد أصبح جزءًا من تعريفك لنفسك وللعالم؟
الرغبة في السرد تداخلت في كينونتي وقدمتني ضمن مجتمع المدرسة الثانوية وكان لاهتمام مدرسيّ اللغة العربية أثر كبير في حياتي، اللحظة التي اطلقتني في محطة الحلم وقدمتني لمجتمعي المحلي ككاتب شاب مبتدىء جاءت بنشر أول قصة قصيرة لي في جريدة الأضواء البحرينية الأسبوعـية من عام 1992 يومها تمسكت بحلمي وقاتلت من أجله في أكثر من عاصمة عربية، فتركت بصمة في أغلب منابر الصحافة الثقافية العربية من المحيط إلى الخليج.
سؤال الذاكرة والمكان: تنتمي إلى بيئة بحرينية غـنية بالرموز الثقافية والتاريخية، إلى أي حـد تشكل الذاكرة المحلية- ببحرها وأسواقها وحكاياتها الشعبية – البنية العميقة لقصصك ورواياتك؟
يُقال .. الكاتب في النهاية هو ابن بيئتـه - ومن صميم تجربتي ككاتب بحريني طبعًا لا أنفصل عن المعطى البيئي في تفاصيل ما أقدم للقارىء العربي من مجاميع قصصية أو أعمال روائية حرصت من خلالها على النهل من معين الذاكرة الطفولية التي شكلتني، وأنت أ. حسن ممن قرأ بواكير التجربة عام 2003 مع صدور مجموعتي القصصية " أنثى لا تحب المطر" حيث ركزت المجموعة على التوغل في حيوات الناس ضمن مجتمع القرية وما يتوارى من رمزية تكتنف مختلف المضامين وهذا ما أتمسك به في وعـيي ككاتب بما يضيف للبعد الإنساني من التجربة.
سؤال الإنسان في النص: القارىء يلحظ في أعـمالك حضور الإنسان المأزوم، المحاصر بأسئلة الواقع والتحولات. هل ترى السرد مساحة لفهم الإنسان أم لمحاكمته أم للتعاطف معه؟
سحر السرد يلتقط أصغر تفاصلينا الحياتية وهنا تأتي حساسية الكاتب الحذق الذي يعرف كيف يقدم طبخته السردية وكيف يستوعـب عن طريقها هواجس وهموم الإنسان المعاصر ليعكسها على الورق، لستُ ممن يغرق في اللغة المبهمة ضمن عملية السردن بلا شك لي بُعد إنساني اقدمه للقارىء وهو وحـده تقع عليه مسؤولية فك شيفرة النص لا أن أشرح له؛ الكتابة التي لا ترتقي بتجاربنا الحياتية ونتعلم منها الدروس مضيعة للوقت. لذا فإن محاكمة الكاتب لشخصياته أو التعاطف معها وسواه يأتي في سياق عـام ضمن حالة مفاهيمية تتفاعـل مع كنه الكتابة والمرتجى منها كعملية تلقـي سيدركها القارىء لوحـده كما أرى، القراءات التي يتم نشرها حول قصصي القصيرة أو رواياتي تترجم بالذات ما أعـنيه هنا. لا يخلوا الأمر من مصادفات تحصل لي حينما يستغرب قارىءٌ ما ويخبرني بأنـه وجد نفسـه كشخصية ضمن أحداث روايتي !
سؤال العنوان بوصفه عـتبه: عناوين مثل ''اعترافات البيدق الأخير'' أو ''الركض في شهوة النار'' تحمل شحنة دلالية كثيفة. كيف تتشكل العناوين لديك؟ وهل تأتي قبل النص أم بعد اكتماله؟
الكاتب المجرب والذي قطع شوطًا وأكتوى بمراحلها ومحطاتها المتعبة والشاقة إن لم يستوعـب أهمية العنونة وما ورائها من مضمن أو مضمور دلالي فهو ليس بكاتب.. حقيقة أحرص على اعطاء كل إصدار هويته الخاصة من عـتبة العنوان حتى أكون حاضرًا ببصمتي الخاصة، يأتيني العنوان أحيانًا في ختام كتابة القصة أو أجدني أكتبه في بداية الرواية .
سؤال الرمز والواقع: تتداخل في نصوصك الواقعية مع الرمز، أحيانًا بشكل يجعل القارىء يتساءل: هل نحن أمام واقع مقنع أم رمـز متجسد؟ كيف توازن بين وضوح الحكاية وعـمق الإيحاء؟
أنا كاتب لا أقدم نصوصي القصصية أو شغلي الروائي إلا على نار هادئـة متمهله، قد يبدُ هناك وضوح في مستهل ما أكتبه لكن سرعـان ما أزج بالقارىء في متاهات من السرد والغرق في تفاصيل المشهدية التي أرسمها كي أصنع الحدث، لذا فالقارىء المستعجل لحصد المضمون أو ذاك الذي لا يتوقف أمام الاشارات الدلالية والرمزية لا يمكنه الصبر على النمط المقدم ككتابة، ثم أن أنني أحكم عملية الكتابة بخبرتي المتواضعة والتوفيق بيده تعالى في نهاية المطاف.
سؤال القصة القصيرة: فن الاقتصاد في اللغة وكثافة الدلالة، ما الذي يغريك في هذا الجنس الأدبي تحديدًا مقارنة بالرواية؟
تشدني القصة القصيرة وتهيمن على تفكيري وتطاردني في أحلامي، لا أبالغ حينما أقول هذا الكلام، فهي الأقرب إلى قلبي أكثر من عوالم الرواية. مع القصة اتوحد مع رجل الشارع العادي ومع حارس الأمن المصلوب في شمس النهار يحرس بوابة فندق أو أراقب امرأة تبيع مأكولات بسيطة على الرصيف وهكذا لكن الرواية تتشعب في تفاصيلها اليومية وتحتاج تركيز عالي من حيث تقنية الكتابة والبحث ما قبل مرحلة الكتابة حسب نوع الرواية.
سؤال التحول من القصة إلى الرواية: انتقلت بين القصة والرواية والدراسة النقدية. هل لكل جنس أدبي لديك وظيفة مختلفة في التعبير عـن الأسئلة التي تشغلك؟
تمامًا حيث لكل من القصة القصيرة و الرواية والدراسة النقدية حالة وظيفية تتجاوز التصنيف بحد ذاته وهو أمر لا يشغلني على الجانب الشخصي، فلا أهتم بالتصنيف الذي يُسبغ على تجربتي من الوسط الثقافي . أعمـل وفق الحالة التي تتلبسني ما قبل الدخول إلى محراب الكتابة، صنفتني المتلقي كقاص أو روائي وربما شاعـر، ما عـدت أهتم بهذه التفاصيل وأترك الكتابة تسحبني إلى أعماق عـوالمها الجميلة.
سؤال الشخصيات: شخصياتك غـالبًا ليست بطولية بالمعنى التقليدي، بل تبدو عـادية لكنها تحمل توترًا داخليًا. هل تتعمد اختيار الشخصيات الهامشية لتكون مرآة أكثر صدقًا للمجتمع؟
يتضح لي أنك توغلت بالعمق المطلوب في دراسة عالمي السردي وتعرفت على مفاتيحه كما ينبغي، وهذا هو صلب الموضوع الذي أعـالجه في مجمل طاقتي السردية التي أفرزها على الورق، شخصيًا أنحاز إلى رجل الشارع البسيط أو الذي يعيش على الهامش وأجد فيه نواة البطل غير المعلن أو ذاك الذي ملأ الدنيا بضجيج حضوره، فهو القادر على فضح ومواجهة مجتمعه بأخطائه والذي يمشي في دروب الوجع بصمت وصبر الأنبياء. أنجذب إليه فأبرز معاناته اليومية وأرسم تفاصيل محطاتها، ما فائدة حضور الكاتب إن لم ينبش معاناة مجتمعه بصدق الكلمة؟
سؤال العلاقة بين الأدب والمجتمع: إلى أي حـد يجب على الكاتب أن يكون شاهدًا على زمنه؟ وهل ترى الأدب فعـل مقاومة أم فعل تأمل؟
لنتفق أن فعل الكتابة بحد ذاته شهادة على الزمن الذي يتنفس ضمنه أي كاتب، ومن يحدد مبررات هذه الشهادة هي الساحة الثقافية حينما تكون منصفة للكاتب أو مهمشـة لجهوده وتتكرم عليه بالنفاق الثقافي عند تأبينه وما تسبغ عليه من ألقاب مجانية بعد فوات الأوان.. حقيقة لا يشغلني هذا الهاجس، أقدم رسالتي في صمت وكلي إيمان بأن الكتابة فعل مقاومة ونُـبل وهذا ما أبرزته في روايتي " وقت للخراب القادم ".
سؤال التحولات الثقافية: نعيش زمنًا تتغير فيه طـرق القراءة والنشر بسرعـة. كيف ترى مستقبل القصة العربية في ظل التحولات الرقمية والثقافية الراهنة؟
من عـاش هيمنة طرق النشر التقليدية التي اتاحت للقصة النشر عبر مصفاة صارمة في معاييرها الصحافية يدرك جيدًا الفرق بين الأمس واليوم.. القصة بات من السهل تصنيفها ونشرها على منصات التواصل الاجتماعـي وقد أنتفت الحاجة إلى نشرها عبر منابر الثقافة العربية من صحف ومجلات، أمامنا أجيال شابة في عـجلة من أمرها تنشر في صفحاتها الفيسبوكية ما يحلو لها ولا تكترث بالقنوات التقليدية ابتغاء الحصول على جواز مرور إبداعي في الحد الأدنى. لست ممن يفرض نفسه وصيًا على الإبداع أو أوزع صكوكـه على الكتاب، لكن أجـد هذا الكم الهائل مما يوصف (بقصة قصيرة) على الفيسبوك كثيرًا ما يُغلف بالحشو المترهل فنيـًا والفقير من الناحية السردية ويحصد الاعجابات والتصفيق المجامل فيتحول إلى إبداع بدون قاعـدة أدبية صحيحة.
سؤال التجربة الخليجية في السرد: كنت أيضًا مهتمًا بقراءة السرد الخليجي ودراسته، ما الذي يميز التجربة السردية في الخليج مقارنة بغيرها من التجارب العربية؟
ما يميز التجربة السردية في الخليج أنها تنهض بخطابها الحضاري ملتحمة ببيئتها ومعبرة عـن هويتها الثقافية العربية ومن الجميل أنها تشاكس بين وقت وآخر كل تلك المحاذير والتابوهات التي خبرها الكاتب العربي وبذات الوقت تلتحم بنبض الشارع العربي، فالكاتب الخليجي ليس مجرد كاتب قادم من مدن الزجاج، يكتب من وراء مكاتب مكيفة وفخمة، إنما هو مخلص لساحته الثقافية العربية وقادر على استيعاب التحديات الراهنة كرديفه العربي يرسم لوحة ثقافية موحـدة.
سؤال اللغـة: لغة السرد عـندك تبدو مشدودة بين الشعرية والواقعية. هـل ترى أن اللغـة يجب أن تكون شفافة لخدمة الحكاية، أم أن جمالها جـزء من المعنى نفسـه؟
منذ دخولي عـالم الكتابة والتعرف على مدارسها شدتني المدرسة الواقعية والتي كانت الأقرب لي من الناحية النفسية تجعلني ألتحم بقضايا المجتمع وهموم وهواجس الناس، وهذا الاتجاه حافظت عليه في مجمل كتاباتي على صعيد القصة القصيرة والرواية والجانب الشعري الذي تطرقت إليه في سؤالك مرتبط بحبي للشعر وتأثري بالشاعرة العربية فدوى طوقان التي درست قصائدها في فترة الدراسة الثانوية العامة، وقتئذ بدأت بكتابة الشعر وكانت أولى جوائزي التي حصلت عليها في ذات المجال من عام 1992 ولم تكن في القصة القصيرة، أنا حقيقـة لا أجنس ما أكتبـه من نتاج أدبي وأنشره في المجلات تحت باب الشعر، وتأتيني ردود فعل طيبـة من شعراء يستحسنون ما أطرحه فيعتبروني شاعـرًا. شفافية اللغـة حينما لا تراوغ وتتعب المتلقي بفذلكات من هنا وهناك تنجح في توفير معنى يمكن هضمه بسهولة وهذا ما أفضله ككاتب يركز جـل جهده على الاقتراب من تفكير رجل الشارع العربي وليس ذاك النخبوي .
سؤال التحويل إلى المسرح والسينما: تحولت بعض قصصك إلى أعـمال مسرحية وسينمائية. كيف تشعر حين يغادر النص الورق ليعيش في وسط فني آخـــر؟
شعور جميل وساحر بلا شك فالمشهدية البصرية في الفيلم القصير أو العرض المسرحي على الخشبة يعطيني كقاص شحنة حماسية مدهشة اشاهد فيها شخصياتي وهي من لحم ودم تتحرك وتنبض بالحياة وهذا ما يحرك شهية السؤال عـند المشاهد بالذات في تجربتي مع المخرج محمد إبراهيم وفيلم " زينب " و " صبر الملح " ومع المخرج محمود الشيخ وفيلم – قوس قُـزح .. التجربة تجعل الكاتب يرتفع من كونه مجرد كاتب ينتظر القراء كيما يكتشفوا عـوالمه إلى متلقين مشاهديـن ومتفاعـلين معه بشكل أكبر لحظة دخول قاعة العرض السينمائي أو المسرحي.
سؤال الكاتب والقلـق: هل الكتابة لديك محاولة لتبديد القلق أم لتكثيفـه؟ وهل يكتب الكاتب لأنه وجد الإجابة أم لأنـه ما زال يبحث عـنها؟
سؤالك يذكرني بالسؤال المعهود الكلاسيكي الذي يُطرح على كبار الكتاب من عـقود خلت.. لماذا يا " فلان " تكتب؟! سؤال جدوى الكتابة أعتبره أزلي أو يمكن القول حقيقة وجودية تأبط قلقها الإنسان البدائي الذي عاش في الكهوف وما قبل تعلم الكتابة ونشوء الحضارات، هداه تفكيره البسيط فرسم صور الحيوانات التي كان يصطادها فخلد عن قصد بصمته الفنية ، كتب لنا جزء من حياته كشهادة للتاريخ. نحن اليوم ككتاب نحاول أن نترك أثرًا ما في هذا العالم المزدحـم، فليس بالضرورة عـثورنا على إجابات جاهزة ومعلبـة بقدر ما نبحث عـن الأسئلة لفهم كنه الحياة وهذا تحدي صعب ما بين تخطي القلق الشخصي أو الغرق في التفاصيل، فالكاتب متأرجح وسط دوامات الكتابة وأناه الداخلية وحواره المتواصل معها.
سؤال التجربة الشخصية: ما الحد الفاصل بين السيرة الذاتية والتخييل في نصوصك؟ وهـل يتسلل الكاتب إلى شخصياته دون أن يشعـر؟
هناك تماس ما بين العالمين يأتي على نمط العودة إلى مخزون الذاكرة بالذات في قصصي القصيرة الأولى في مجموعـتي " أنثى لا تحب المطر " ومجاميع أخرى إلى حـدٍ ما لكني طبعًا أعـمل على تمويـه عملية السرد التي أستمتع بمزجها بتيار الحلم ، شخصيًا أعـيد استثمار الأحلام التي أراها في منامي وأجدل ضفائرها في بنية السرد. أنا شخص يتذكر أحلامه وكوابيسه لحظة استيقاظه وإذا كانت شحنتها الخيالية فارقة وصادمة أسجلها على الورق لأجتاز خيانة الذاكـرة. نعم احيانًا يتسلل الكاتب إلى شخصياته بشكل لاشعوري وهذا ما ركز على قراءتـه القاص والروائي البحريني عـزيز الموسوي لما تعرض لروايتي " ما بعد غـيبوبة الضبع " الصادرة عن دائرة الثقافة في الشارقة / الطبعة الأولى 2024 .
سؤال الزمن في الكتابة: هل تشعر أن كل عمـل أدبي هو تسجيل لمرحلة من العمـر؟ بمعنى لو كتبت العمل نفسه بعد عـشر سنوات، هل سيبدو مختلفًـا؟
يبقى الكاتب في داخله إنسان مثل غـيره تمر به محطات العمر، والكتابة لديـه في المحصلة خبرة حياتية تنهض بالنضج وتتوسع آفاقها في فهم واستيعاب الحياة وعليـه .. كتابته تختلف في الشكل والمضمون حسب خبراته المتراكمة، أنا لستُ من هؤلاء الكتاب الذين يتبرؤون من كتاباتهم بعد مرور ست أو عـشر سنوات حينما يقول أحدهم : " هذه القصة أو الرواية لم تعد تمثلني "! شخصيًا أتصالح مع ما أطرحه على صعيد القصة والرواية ولا أمارس هذا الهروب أو النكران لكوني محرج من مواجهة المتلقي .
سؤال القراءة: ما نوع القراءات التي صنعت وعـيك السردي؟ وهل لا يزال الكاتب بحاجة إلى القراءة بقدر حاجته إلى الكتابة؟
وضع معيارية مؤطـرة هنا بخصوص سؤال إشكالية صعبة أجدها وأخشاها لكوني منذو حداثة سني رفضت الوصاية على طبيعة " ما يجب أن أتوجه لقراءته " فقد أبحرت في دنيا المعرفة بلا حواجز ، قرأت الكثير من الكتب من مختلف بقاع الدنيا على صعيد السرد وبالذات روايات الأديب العربي العالمي نجيب محفوظ وقد أسرتني روايات الجيب المصرية " سلسلة رجل المستحيل " وغيرها الكثير. طبعًا الكاتب لا يمكن له الاستغناء عن القراءة وإلى كيف سيطور من عطائه الأدبي ويقنع القراء بما يكتب.
سؤال مشروعـك الأدبي: بعد هذا المسار الممتد في القصة والرواية، كيف تنظر إلى مشروعـك الإبداعـي اليوم؟ هل تراه مشروعـًا مكتمل الملامح أم ما زال في طـور التشكّـل؟
سؤال آخر صعب تحشرني فيه ضمن زاوية إشكالية قد تفضي بي إلى تزكيـة تجربتي أو تضخيمها أكبر من حجمها الحقيقي لكن بالامكان الإجابة هنا .. أن نضج التجربة وتمام نموها في حياة الكاتب متروك للناقد المنصف وجمهور القراء " في حال نال هذا الكاتب شهرة متواضعة في مجتمعـه أو تخطاها ما وراء الحدود " ، ككاتب أعمل ما أستطيع محاولا التطوير من أدواتي وأعتبر نفسي طالب متدرب في مدرسة الكتابة، يجتهد كيما يترك خلفه بصمة وهو يتعلم كل يوم درسًا جديدًا. مشروعي أمامه الكثير من المحطات، لا تشغلني الجوائز بقدر ما يؤرقني مرور العمر وإن كان سيتسع كيما يهبني المزيد من الوقت لأكتب وأطرح الدراسات التي انجزتها في تحليل الحكاية الشعبية وعطاء القصة القصيرة العربية ومشاريع أخرى أفكر فيها .
سؤال الكاتب والإنسان: ما الذي تخشاه أكثر: أن لا يُـفهم نصـك أم أن يُـفهم بطريقـة مختلفـة عـمّا قصدت؟
في السابق منذ سنوات مضت مع حداثة تجربتي في الكتابة والنشر على صفحات المجلات والصحف، كان يشغلني هاجس عـدم فهم القراء ما أطرحه ولكن مع تراكم الخبرة تجاوزت عتبة القلق وصرت أستمتع بتعدد القراءات التي كانت ترصد كتبي الصادرة وتفاجـئني برؤاها النقدية الواسعة وحمالة الأوجه، فعدم تقييد المعنى هنا أعـتبره جـزء من جمالية المشهدية الأدبية التي أوفرها للقارىء وهو حُــر في تبني المفهوم الذي يخاطب وعـيه وقناعاتـه.
سؤال أخـير: لو طُلب منك أن تختصر عـلاقتك بالكتابة في جملة واحـدة، فماذا تقول؟
لي صديق وشاعـر سألني ذات مرة : ماذا أعطتك الكتابة؟ فأجبته .. بغض النظر عـن سؤال الجدوى هنا، الكتابة أعطتني الكثير وأخذت مني بذات الوقت، الكتابة أوكسيجين حـياتي.
روايتك الأولى .. وقت للخراب القادم، كيف تصف لنا تجربتك في كتابتها؟
رواية مختلفة في مشواري وأعتقد بأنها من بعد وصولها إلى ثلاث طبعات ما بين ( سورية ومصر وألمانيا ) وهذا الكم من القراءات النقدية في الصحافة العربية والاهتمام الذي لاقتـه من قبل القارىء العربي وكميات النسخ المقلدة التي صارت تُباع منها في سور الأزبكية بمصر وكيف تحولت إلى درس أكاديمي لنيل درجة الماستر في جامعة جزائرية حتى أصبحت تعيش حياتها مستقلة عـني ككاتب، يجعل من هذه الرواية مدهشـة في حدود تجربتي لم تبلغها أيما رواية أخرى طرحتها من مجمل أعـمالي. الغريب أن محرك البحث " غـوغـل " يخبرني بأن الرواية أصبحت مترجمة إلى الفرنسية والفارسية، وهذا من عجائب المعلومات المتداخلة التي تُثـار عنها والتي لم أصرح بها شخصيًا ولا أدري كيف تبناهـا ونشرها " غـوغل " عني؟!
الكاتب الشاب اليوم يتصف بالاستعجال وحـرق المراحل قُبيل نضوج تجربته الأدبية.. هل أنت مع هذا الرأي؟
هذا ما أراه في الساحة وعلى صفحات الفيسبوك، فالكاتب الشاب مندفع ويسيطر عـليه الحماس فيطمع في معطف الكاتب وقبعته حتى يتقمص الدور وإن كانت خبراته بسيطـه في الحياة.. أنا نفسي كنت ذاك الشاب المندفع أبحث عـن النجومية السريعة لأقف أمام الكتاب الكبار وكنت أتبنى قناعـات حماسية إلخ من طرق في التفكير حتى أكون كاتبًا واحقق حلمي الشخصي . البناء الذاتي مهم للكاتب الشاب وعليـه التدرج في عـالم الكتابة وتخطي كل مرحلة بصبر وتأني وكفاح حتى يصل.
دور النشر العربية على كثـرتها، هل أنصفت الكاتب العربي في الساحة الثقافية أم تاجرت على حسابـه؟
مرارة تجربتي الشخصية ككاتب اجبرتني على الوقوع من وقت لآخر ضحية لطمع بعض الناشرين العرب للأسف، لذا لا أستطيع وفق سؤالك الانحياز للناشر العربي اليوم ، فجزء كبير مما يُسمي " دور نشر عـربية " ما هي غـير دكاكين نشر بائسة تفتقر للبنية المؤسساتية التقليدية المتعارف عـليها، فكيف نتوقع منها إنصاف الكاتب العربي الذي تسلخ من جلده حتى تنشر إليه . الدور الكبيرة التي لها سمعتها في السوق لا تكترث إلا بأصحاب الجوائز وتلك التي تدخل السوق بمسميات فضفاضة وشعارات تسويقية مبهرجة تتاجر على حساب الكاتب العربي وتدخل في معارك قضائية وهذا ما نعاينه على أرض الواقع.
برأيك ومن موقعك ككاتب خليجي قطع شوطًـا في دنيا الكتابة لأكثر من أربعين عـامًا، هل تجد الجوائز الأدبية قادرة على صنع كاريزما الكاتب العربي؟
تنجح الجوائز إلى حـدٍ ما في صنع هالة ما للكاتب العربي وتحيطـه بوميض الأضواء والشهرة والانتشار ضمن مدة زمنية تطول أو تقصر لكن في أعـتقادي الشخصي لا تعطيه تلك الكاريزما المتميزة التي تأتي من جـده واجتهاده وبحثه في تطويره لأدواته الثقافية والمعرفية وكيف يصنع نفسـه. في حدود تجربتي الجوائز محدودة الأثر على مسيرتي ولا أثـق في معاييرها أو تلك النمذجـة التي تؤسس لها في عـقلية القارىء العربي ، حينا أصل إليه وأقنعه بما أكتب أفضل لي من صخب الجائزة .
كاتبنا أحمد المؤذن كيف وجدت تجربتك مع نشر دائرة الثقافة في حكومة الشارقة لعملك الروائي "ما بعـد غـيبوبة الضبع" ؟
حقيقة تجربة ثرية وغـنية بمضمونها ومثلت محطـة جميلة في حياتي أن يكون لي نتاج أدبي منشور من الشارقة والتي أعـتبرها الرئة الثقافية الأولى على مستوى الخليج والوطن العربي بما تقدم من أنشطـة ثقافية على طوال العام ومختلف المبادرات والمشاريع الثقافية التي يطرحها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، فطرح هذا العمل الروائي سجل أسمي ضمن الساحة الثقافية الإماراتية، وبعون الله أكـرر التجربة حينما تسنح الفرصة في المستقبل القريب، خصوصًا وأن دائرة الثقافة تحترم وتقدر جهد الكاتب العربي من المحيط إلى الخليج بلا تفريق وتعمل وفق معايير جودة عـالية من حيث الشكل والمضمون المقدم للقارىء العربي.
خاتمة
يبقى الأدب في جـوهره محاولة دائمة لفهم الإنسان في تعقيداته وتحولاته، وهو ما يبدو حاضرًا بوضوح في تجربة أحمد المؤذّن السردية التي تنفتـح على أسئلة الوجود والمجتمع والذاكـرة. إن مـسارًا إبداعـيًا يمتد عـبر القصة والرواية والدراسة لا يعكس فقط تعـدد أشكال الكتابة، بـل يكشف أيضًا عـن قلـق معرفي وجمالي، يسعى إلى إعــادة اكتشاف العالم عـبر الحكاية.