المغرب يطوّع الذكاء الاصطناعي لاستباق الفيضانات بخطوة

مبتكرون مغاربة ينجحون في تطوير نظام يعتمد على الأقمار الاصطناعية للتنبؤ بمناطق الفيضانات بدقة 91 بالمئة، مما سيمكّن البلاد من الانتقال إلى الاستباقية الوقائية.
صحيفة 'إل إسبانيول' تسلط الضوء على الطفرة التكنولوجية بالرباط وتعتبرها درسا لمدريد

الرباط - شرع المغرب في تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بأشد الفيضانات خطورة والاستعداد الاستباقي لها، في خطوة وصفتها صحيفة "إل إسبانيول" الإسبانية بأنها تقدّم درساً حاسماً لجارته مدريد في كيفية إدارة الكوارث الطبيعية.

وأشارت الصحيفة في تقرير للصحفي روبرتو مينديز، نُشر في 5 يونيو/حزيرتن 2026، إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تكنولوجيا عابرة، بل بات أداة حاسمة لزيادة دقة التنبؤ بالظواهر الجوية المتطرفة والحد من تداعياتها.

ويأتي هذا التوجه في وقت يشهد فيه المغرب تحولا استراتيجيا في إدارة موارده وأزماته الطبيعية، بالتوازي مع تعاونه مع إسبانيا لحماية نفسه من الجفاف عبر تشييد أكبر محطة لتحلية المياه في إفريقيا.

من "الرد" إلى "الوقاية"

تعد الحرائق، والزلازل، والفيضانات من الكوارث الطبيعية التي تخلف خسائر بشرية واقتصادية لا يمكن حصرها، وهي كوارث تتزايد وتيرتها عاما بعد عام.

ومع تسارع التغير المناخي الذي يتسبب في تكثيف موجات الأمطار الغزيرة، يرتفع في الوقت ذاته عدد السكان الذين يعيشون في مناطق هشة ومعرضة للخطر.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، يرى الخبراء أنه لم يعد هناك جدوى من التساؤل عما إذا كانت الفيضانات ستحدث أم لا، بل أصبح السؤال الأهم هو: "أين ومتى ستحدث؟".

ين ومتى ستحدث؟

وبينما لا تزال دول عديدة تتبنى سياسات "رد الفعل" بعد أن تجتاح المياه الشوارع وتغمر الطوابق السكنية، نجح المغرب في تغيير نهجه بالكامل، متقدماً خطوة نحو "الوقاية الاستباقية" بفضل الذكاء الاصطناعي، على غرار نظام "غراوند سورس" (Groundsource) التابع لشركة غوغل والمخصص للتنبؤ بالفيضانات قبل 24 ساعة من وقوعها.

ونجح فريق بحثي من جامعتي عبدالمالك السعدي ومحمد الخامس في تطوير نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي قادر على تحديد المناطق الأكثر عرضة للفيضانات في حوض نهر "اللوكوس" شمالي البلاد.

وركزت الدراسة على واحدة من أكثر المناطق حساسية لهذه الظاهرة، وهي السهل الواقع بين مدينتي "القصر الكبير" و"العرائش"؛ وهي منطقة تجمع بين التضاريس المنخفضة للغاية، والقرب من المجرى النهري، والنشاط الزراعي المكثف، فضلاً عن تعرضها المتكرر للعواصف الشتوية الشديدة.

وتكمن الميزة الابتكارية لهذا العمل في الدمج بين الصور التي تلتقطها الأقمار الاصطناعية الأوروبية "سنتينل" (Sentinel) وخوارزميات التعلم الآلي.

ولم يقتصر النظام على تحليل السجلات التاريخية فحسب، بل استخدم الباحثون رادارات فضائية قوية قادرة على رصد المساحات المغمورة بالمياه حتى من خلال الغيوم والغطاء السحابي الكثيف.

وبفضل هذه البيانات، تمكن الفريق من رسم خريطة تفصيلية للمناطق المتضررة من الفيضانات السابقة، واستخدامها لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

وتعلّمت هذه الخوارزميات كيفية التعرف على الخصائص الطبوغرافية والجغرافية التي تحفز حدوث الفيضانات، حيث جرى تحليل متغيرات متعددة مثل: الارتفاع عن سطح البحر، درجة الانحدار، المسافة من مجاري الأنهار، كثافة شبكات التصريف، إمكانية تراكم المياه، وأنماط هطول الأمطار. وبناءً على ذلك، تم توليد خرائط دقيقة تقسم التقسيمات الترابية وفقاً لمستويات خطورتها.

دقة عالية واختبار حقيقي في 2026

وعلى الرغم من أن هذا النظام لا يتنبأ بالفيضانات في الوقت الفعلي (الآني)، إلا أن نتائجه كانت مبهرة؛ إذ حددت النماذج بدقة متناهية المناطق الأكثر هشاشة، لاسيما السهول القريبة من نهر اللوكوس.

وحقق النظام الأكثر كفاءة، وهو عبارة عن شبكة عصبية اصطناعية تُعرف باسم "البيرسيبترون متعدد الطبقات" (Multilayer Perceptron)، نسبة دقة وصلت إلى 91% عند تقييم بيانات جديدة لم يسبق له معالجتها.

ولم يتأخر الاختبار العملي لهذه التكنولوجيا؛ فبعد فترة وجيزة من صدور هذه النتائج، وتحديداً بين شهري يناير وفبراير من عام 2026، تعرضت المنطقة لواحد من أسوأ الفيضانات منذ عقود.

وتسببت الأمطار الغزيرة المتواصلة، وفيضان النهر، وعمليات التصريف المبرمجة للمياه من السدود الواقعة في أعالي النهر، في أضرار جسيمة وأجبرت السلطات على إجلاء آلاف الأشخاص.

وأظهرت الصور اللاحقة التي التقطتها الأقمار الاصطناعية خلال تلك الفترة أن المناطق التي غمرتها السيول تطابقت بشكل مذهل مع المناطق التي صنفها الذكاء الاصطناعي مسبقاً بأنها ذات خطورة "عالية" أو "عالية جداً".

ويمثل هذا التطابق دليلا عمليا قاطعا على القدرات الهائلة التي تمتلكها هذه النماذج الذكية؛ فهي لا تسعى لقراءة الغيب، بل تتيح معرفة المخاطر ونقاط الضعف بوقت كافٍ قبل هبوب العاصفة التالية لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

درس للمخططين في إسبانيا

وخلصت "إل إسبانيول" إلى أن التجربة المغربية تحمل دروسا بالغة الأهمية لإسبانيا، مذكّرة بالفيضانات المدمرة التي عانت منها البلاد في السنوات الأخيرة جراء ظاهرة "الدانا" ( المنخفض الجوي الانعزالي)، وخاصة في مناطق مثل مقاطعة فالنسيا.

وفي الوقت الذي تدرس فيه جامعة "آ كورونيا" الإسبانية كيفية التنبؤ بالفيضانات باستخدام الذكاء الاصطناعي، تؤكد الصحيفة أن إسبانيا لا يزال أمامها هامش كبير للتحسن في دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي، والمراقبة عبر الأقمار الاصطناعية، ونظم المعلومات الجغرافية (GIS) بشكل منهجي في التخطيط العمراني وإدارة الأراضي.

والمعرفة الدقيقة بالأحياء السكنية، أو البنى التحتية، أو المستغلات الزراعية الأكثر عرضة للغرق من شأنها أن تسمح للدول بتحديد أولويات الاستثمار، وتحسين خطط الإجلاء، وتفادي البناء في المناطق المعرضة للخطر.

وباختصار، فإن الذكاء الاصطناعي يملك القدرة على تسريع التحول من استراتيجية "رد الفعل" الحالية إلى استراتيجية "وقائية حقيقية"، لا سيما وأن البيانات اللازمة لتحقيق ذلك باتت متوفرة وبكثرة.