'الروندة 13' فبلم تونسي في مهرجان الداخلة

حين يكتشف ملاكم سابق أن ابنه الوحيد مريض بالسرطان، تبدأ معركة حقيقية لا تشبه أي جولة خاض غمارها في حياته.

الرباط ـ يتصل عنوان الفيلم 'الروندة 13' عضويا بروح ومضمون هذا العمل السينمائي التونسي ذي الوقع الإنساني المشحون. تجري مباريات الملاكمة الاحترافية في 12 جولة، أما في فيلم محمد علي النهدي فإن طارئا مأساويا سيجعل أسره تونسية مضطرة إلى لعب جولة إضافية حاسمة صمودا في وجه الموت الذي حلق بجناحيه في فضاء البيت الهادئ.

يحكي الفيلم (89 دقيقة) المشارك في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة بمهرجان الداخلة الدولي للفيلم في دورته ال 14، قصة كامل (حلمي الدريدي)، الملاكم السابق الذي يعيش مع زوجته سامية (عفاف بن محمود) حياة هانئة تظللها أحلام بسيطة رفقه ابنهما الوحيد صبري (الهادي جبورية) قبل أن ينقلب الوضع إثر فحص طبي يكشف إصابة الطفل بورم سرطاني في مرحلة متقدمة فتنقلب الحياة رأسا على عقب وتنخرط الأسرة كلها في صراع من أجل البقاء ومواجهة الألم في معركة على تخوم الحياة والموت.

لعل دراما إنسانية من هذا النوع واسعة الاستهلاك سواء في السينما العربية أو العالمية التي رصدت غير ما مرة سؤال الجسد المتآكل والخوف من الفقدان وتجاذب الحياة والموت. لكن هنا بالضبط كان مكمن المغامرة في اختيار هذه التيمة من قبل المخرج محمد علي. ذلك أن رهانه يصبح في هذا السياق هو تقديم كتابة سينمائية متميزة ونافذة تتجاوز سقف استدراج المشاهد إلى تعاطف فج مع محنة إنسانية تعيشها أسره متوسطة الدخل وهي تكافح من أجل إنقاذ الولد الذي يحلم بأن يصبح بطلا مثل أبيه.

هنا يبرهن المخرج على لمسته الخاصة ونضجه الفني وتحكمه في الاختيارات الأسلوبية، حيث تظهر معالم عمل دقيق على مستوى تحقيق التكامل بين عناصر اللغة السينمائية، ترتقي بالمادة الدرامية من طابعها التقليدي المتوقع إلى نص بصري مشبع بالعمق الإبداعي.

وبرع المخرج في تنويع زوايا اللقطات باستخدام إطارات ثابتة مقربة أحيانا من وجوه منهكة تعيش الشك والحيرة، تراوح بين الخوف من الهزيمة وقوة الإرادة لتجاوز المحنة.

يجرؤ محمد علي على تصوير أثر الخبر الصادم الذي يعلنه الطبيب من الجهة الخلفية للوالدين بدل تلمس الأثر المباشر في وجهيهما كما هو المعتاد. ينصب الكاميرا على رصيف الممر لتتبع الخطوات الناطقة بالحيرة والعجز.

ويستخدم الشريط الصوتي بشكل وديع ومؤثر ودون إفراط درامي، يوظف إضاءة إبداعية تحط على قسمات الوجوه لتداعب تفاصيل قسمات العجز والصدمة التي تسكن الأرواح المتعبة، تتبع ذلك لوحة ألوان مساهمة في تشكيل فضاءات قاتمة وثقيلة.

لم يركن المخرج الى اختيار نهاية سعيدة للمعركة في جولتها الأخيرة، تريح قلب المشاهد، بل كان حازما في تقرير ذلك المآل الذي تعبأت الأسرة جميعها من أجل تفاديه. مات الطفل صبري، فكان الفيلم تكريما للأرواح الملائكية التي غادرت لتضيء الحياة من بعدها.

وكأن مقتضى الرسالة أن الموت احتمال قائم بقدر احتمال الشفاء الذي كان نصيب الطفلة نورة، جارة صبري في غرفة المستشفى. لكن الرسالة أبعد ما تكون عن الإحباط والتسليم أمام شراسة المرض.

إن احتمال الموت لا يجدر أن يكون باعثا على الاستسلام، والصمود مسألة وجود والموت هو الوجه الثاني البديهي للحياة. سيستعيد المشاهد المتيقظ دلالة ذلك الحوار 'العادي' في بداية الفيلم الذي جرى بين الزوجين حول طاولة عشاء وهما يناقشان فكرة إنجاب طفل ثان يؤنس وحدة ابنهما صبري. لا زوائد حوارية في عمل شديد التماسك والانسجام.

كان واضحا من تفاعل الجمهور في قصر المؤتمرات بالداخلة، أن أحد أسرار العمل هو ذلك الأداء التمثيلي الرفيع والمتوازن للثلاثي الذي تشارك البطولة. وإن كانت عفاف بن محمود وجها متألقا معتادا في تجارب السينما التونسية على مدى سنوات، فإن أداء حلمي الدريدي لم يكن أقل توهجا بينما وقع الطفل على أداء شبه احترافي وهو يتقمص مسار النزول المطرد من حالة الطفولة الحالمة المقبلة على الحياة إلى درك عالم كابوسي يسجى فيه الجسد الواهن والروح المتعبة في مصارعة الموت. ولعل تجربة محمد علي النهدي الذي عرف كممثل بالأساس أسعفته في استخلاص أقصى الطاقات التعبيرية لأبطاله.

يقر المخرج في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء بأن موضوع الفيلم واسع التداول لكن الرهان كان على مستوى المقاربة والمنهج. "الصعوبة تمثلت في كيفية السرد لا في مضمونه. سعيت لأقصى درجات الصدق منصتا لإحساسي بالموضوع، الذي حاولت نقل عدواه إلى باقي الطاقم. لم أبحث عن استسهال إثارة مشاعر حزن لدى الجمهور".

يعلق على حركة الكاميرا قائلا، إنه تم الاشتغال عليها بشكل دقيق. "حتى وأنا أضع الكاميرا في ظهر الزوجين وهما يتلقيان من الطبيب خبر إصابة الطفل بالداء، طلبت منهما أن يجعلاني أشعر بالأنفاس المتوترة، بأحاسيس الصدمة، ولو من الخلف".

يرى أنه كان محظوظا وموفقا في حسن اختيار الطاقم التمثيلي والتقني. عفاف معروفة بتميزها كوجه بارز في ساحة الأداء التمثيلي النسائي بتونس والعالم العربي بينما سبق أن اشتغل المخرج ممثلا مع حلمي الدريدي في فيلم فرنسي. وكشف النهدي بالمناسبة أنه كان مقررا أن يلعب دور الأب بنفسه لكنه غير رأيه واختار حلمي باقتراح من المديرة الفنية. "ممثل جيد جدا وفضلا عن ذلك كان قد مارس الملاكمة لذلك أعطانا جرعة أكبر من المصداقية"، يقول.

يذكر أن محمد علي النهدي اختار منذ 2008 المرور إلى خلف الكاميرا، حيث أخرج 4 أفلام قصيرة وفيلمين طويلين. وراكم بذلك تجارب في التعامل مع ممثلين غير محترفين ينضمون إلى طاقم الأداء المحترف في تلاقح إبداعي فريد.

وينتمي المخرج الذي ولد في تونس سنة 1972 إلى جيل شاب أغنى السينما التونسية ذات الحضور التقليدي الوازن قاريا. وهو يسجل في السنوات الأخيرة اتجاها قويا للسينما الواقعية الاجتماعية في بلاده دون أن يحجب ذلك وجود تجارب تشتغل مؤخرا على أفلام النوع، مما أثمر مشاريع ناجحة في أفلام تشويق، حركة، كوميديا، فانتازيا...

وينتمي النهدي إلى عائلة فنية معروفة فهو ابن الممثل لمين النهدي والممثلة والمغنية سعاد محاسن. بدأ مساره في المسرح ضمن المعهد الحر للسينما الفرنسية وهو في السابعة عشرة، ثم سافر إلى باريس لدراسة السينما في المعهد الحر للسينما الفرنسية حيث تخصص في المونتاج.

ويشارك 'الروندة 13'، وهو إنتاج مشترك (تونس، قبرص، قطر، السعودية)، ضمن 9 أعمال في مسابقة الأفلام الطويلة لمهرجان الداخلة. وتشمل هذه القائمة فيلمين مغربيين هما 'لبس' لحميد باسكيط و'شذرات' لجنان فاتن المحمدي وعبد الإله زيرات، إلى جانب 'عيد ميلاد سعيد' لسارة جوهر (مصر)، 'ربشة' لمحمد مكي (السعودية)، 'ميكوكو' لإنجيلا أكويريبورو راباطيل (التوغو)، 'ما وراء الأوهام' لساليف كوني (كوت ديفوار)، 'نيامولا' لأوسكار فايمار (كينيا)، "الجندي الأعزل" لجويس مهانغو شافولا (مالاوي).

وتضم لجنة تحكيم مسابقة الفيلم الطويل إلى جانب المخرج والمفكر المالي مانتيا دياوارا رئيسا، الممثلة المغربية نسرين الراضي، والمخرجة النيجيرية عائشة ماكي، والخبير السينمائي النرويجي أندرس تانجن، والمخرج والمنتج الفلبيني كريستيان باولو لات.