لماذا تنزعج إثيوبيا من التحركات المصرية نحو أفريقيا

إثيوبيا تلجأ كثيرا إلى ليّ أعناق التحركات المصرية الرامية إلى تطوير العلاقات مع دول افريقيا وتتعمد إضفاء إثارة عليها ومخاوف غير مبررة منها والتشكيك في مساهمات القاهرة التنموية.

القاهرة - تعتقد إثيوبيا أن كل تحرك مصري تجاه أي دولة أفريقية موجّه إليها مباشرة. تستبعد تفسيره ضمن خطة لإعادة تموضع القاهرة في قارة ابتعدت عنها كثيرا في سنوات سابقة، بما أثر سلبا على جزء من مصالحها الحيوية. وتأتي المصدات الإثيوبية أحيانا في شكل صياغة تحالفات مع دول خارجية، تضر حصيلتها بعلاقات مصر مع دول أفريقيا.

تكرر هذا المعنى مع زيارتين للقاهرة قبل أيام، قاما بهما (كل على حدة) رئيس إريتريا أسياس أفورقي، ورئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي. 

تحاول أديس أبابا دوما إثارة اللغط على الزيارات المتبادلة بين مسؤولين مصريين ونظرائهم من دول أفريقية مختلفة. يحتدم اللغط إذا كان الزائر للقاهرة  من دولة جارة لإثيوبيا، أو أن الزيارة تستهدف عاصمة في دول القرن الأفريقي أو حوض نهر النيل أو دولة متشاطئة على البحر الأحمر. تسعى أديس أبابا إلى اختزال كل منها في أنها تستهدف النيل منها، وأن مصر تريد ممارسة ضغوط مضاعفة عليها.

تعتقد إثيوبيا أنها سجّلت هدفا في مرمى مصر بالانتهاء من إنشاء سد النهضة وتحاول إحراز هدف آخر من خلال الحصول على منفذ بحري في إقليم أرض الصومال أو إريتريا. تعتقد أيضا أن القاهرة عقبة كأداء أمامها في تحقيق الهدف الثاني.

حصرت التحركات المصرية، الأمنية والسياسية والاقتصادية في مضايقتها كأن القاهرة صبّت جُل اهتمامها على مناكفة أديس أبابا ومنعها من تشييد سد النهضة والوصول إلى البحر الأحمر أو خليج عدن، وتعطيل التنمية في البلاد. مع أن الأول أعلن رسميا عن تشييده وملء خزانه منذ نحو عام، ولم تظهر بوادر للتنمية أو تخوض مصر حربا ضدها.

والثاني يواجه تحديات كبيرة من دول المنطقة، لأنه يستند إلى قواعد غير مشروعة، يمكن أن تهدد الأمن والسلم الإقليميين.

تركز تحركات مصر حيال دول أفريقيا على إعادة الاعتبار لعلاقاتها مع دول القارة الأفريقية. تصحيح مسارات خاطئة تسبب تجاهلها في أضرار عديدة للقاهرة. قد تكون إثيوبيا في خلفية بعض التحركات للضغط السياسي غير المباشر عليها، وهذا أمر طبيعي، لأن أديس أبابا تعمل على إحداث تغيير في واقع ثابت منذ عقود سواء بالنسبة لاتفاقيات المياه، أو تغيير الحدود التي ترفض وثائق الاتحاد الأفريقي المساس بها.

كما أن الحصول على مكاسب عبر الوصول إلى المياه تعسفيا، الذي يأتي من مزاعم أنها دولة حبيسة، أمر بالغ الحساسية ويثير فتنة كبرى. هناك نحو 45 دولة حبيسة حول العالم. و16 دولة حبيسة في أفريقيا وحدها.

تطبيق التصور الإثيوبي قد يتسبب في فوضى إقليمية، بينما القانون الدولي يُقر مسألة الوصول إلى المياه للدول الحبيسة بالاتفاق والتفاهم مع الدولة المتشاطئة، وليس قسريا وبالطرق العسكرية. وعدد كبير من تلميحات أديس أبابا تفضل الخيار الثاني، أي باستخدام الوسائل الخشنة.

تحرص القاهرة في اتفاقياتها مع دول أفريقيا على تقديم الجوانب التنموية على غيرها. معظم مذكرات التفاهم التي عقدت في الآونة الأخيرة منحت أولوية لذلك. في زيارة أفورقي وتشيسكيدي للقاهرة قبل أيام مثلا، أوضحت بيانات لرئاسة الجمهورية المصرية حولهما أن مباحثات الرئيس عبدالفتاح السيسي مع كليهما انصبت على الاقتصاد، وكل ما يؤدي إلى زيادة الاستثمارات والمنافع المتبادلة.

قد تكون هناك جوانب عسكرية وأمنية ظاهرة أو خفية، لكنها لا توجه نحو طرف ثالث، سواء أكان إثيوبيا أم غيرها. تستهدف مكافحة الإرهاب والاستفادة من الخبرات المصرية في هذا المجال الشرس، وتدريب العناصر الأمنية المحلية المتواضعة، ورفع مستوى الجاهزية لمواجهة التحديات العسكرية عموما. عدد كبير من دول أفريقيا يعاني من سيولة أمنية وانتشار واسع للجماعات المتطرفة في أراضيه.  

تلجأ إثيوبيا كثيرا إلى ليّ أعناق التحركات المصرية الرامية إلى تطوير العلاقات مع دول القارة. تتعمد إضفاء إثارة عليها ومخاوف غير مبررة منها. تسعى إلى التشكيك في مساهمات القاهرة التنموية، ودعم حركات التحرر في أفريقيا سابقا، ومحاولة "شيطنة" بعض التصرفات التي قامت بها والاتفاقيات التي عقدتها حاليا، في حين لم يتم ضبط مصر بأنها حرّضت على حروب أهلية، أو تدخلت في صراعات محلية، على عكس إثيوبيا التي تملك علاقات متوترة مع عدد من دول الجوار.

من ينظر إلى إريتريا والصومال والسودان سيجد علاقات كل منها بإثيوبيا متوترة، وربما دخلت نفقا مظلما. يكشف تسليط الضوء على حالة إريتريا حجم التناقضات في المواقف السياسية بسبب الدعوة للسيطرة على ميناء عصب المطل على البحر الأحمر، بذريعة الحق التاريخي لإثيوبيا، والاتهامات المتبادلة بالعبث في أقاليم حدودية مشتركة، مثل إقليم تيغراي الإثيوبي، الذي بدأت ملامح الحرب تعود إليه مؤخرا. وهو إقليم تشاركت في محاربته الحكومة المركزية الإثيوبية مع حكومة أسمرة وتقويض نفوذ الجبهة الشعبية لتحرير إقليم تيغراي.

يشير القلق من أي مقاربة مصرية نحو الدول المجاورة لإثيوبيا إلى ثلاث نتائج، النتيجة الأولى: أن حكومة أديس أبابا تريد اختلاق عدو خارجي لإيجاد نوع من اللُحمة الوطنية الداخلية، وسط اقتتال في بعض الأقاليم وتمرد في أخرى. وتبدو مصر "عدوا" محتملا مناسبا، في ظل وجود خلافات حول سد النهضة، والاعتراض على المنفذ البحري، ورفض التدخل في شؤون الدول الأخرى ودعم الحروب بالوكالة فيها.

النتيجة الثانية: امتلاك إثيوبيا طموحات إقليمية، جعلها ترى أن مصر مشكلة رئيسية في طريق تحقيق أهدافها، ومنافس قوي يجب تشتيت انتباهه في قضايا فرعية، وخلق منغصات في ملفات حيوية، ما يفسر متابعة وملاحقة ومطاردة القاهرة في كل تصرف تقوم به تجاه أفريقيا.

وفي أحد مداخلاتي الفضائية مع ضيف من إثيوبيا، دعا الحكومة المصرية إلى التركيز على الحروب والتوترات في المناطق المجاورة لها، مثل قطاع غزة وليبيا والسودان، والابتعاد عن منطقة القرن الأفريقي، كأنها حكر على إثيوبيا.

النتيجة الثالثة: أن إثيوبيا تملك شبكة علاقات مع قوى إقليمية ودولية، وتتقاطع معها في عديد من الأهداف في الممرات البحرية، والأغراض الإستراتيجية. في خضم ذلك من الواجب شغل مصر في قضايا جانبية، وعدم اتاحة الفرصة أمامها للتمركز في مناطق مفصلية في القارة الأفريقية.

بعد أن نُزع جُزء كبير من الدسم أو القلق الذي يمثله سد النهضة جرّاء المعوقات الفنية التي يواجهها، يتم العزف بقوة على وتر التصورات السياسية المصرية المتخيّلة بحسبانها موجهة نحو إثيوبيا مع أن غالبية الدول الأفريقية التي طورت القاهرة الروابط معها تحتفظ بعلاقات ودية مع أديس أبابا أيضا، ما يعني عدم وجود مبررات منطقية تفسر انزعاج إثيوبيا من التحركات المصرية.