إيران من الاحتواء والعزل إلى الدمج الإقليمي

ما يسعى إليه ترامب، وما سعى إليه أوباما، لا يختلف في جوهره عما حققه الرئيس الأسبق جيمي كارتر مع مصر عندما أصر على توقيع اتفاقية سلام بين القاهرة وتل أبيب وجد فيها كل طرف ما يرضي غروره ويشبع طموحه.

تفيد معلومات متداولة حول اتفاق الإطار المنتظر التوقيع عليه بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف الجمعة، أن واشنطن تميل إلى دمج طهران في المنطقة وطي صفحتي الاحتواء والعزل اللتين استخدمتها على مدار أكثر من ثلاثة عقود.

وتشير الملامح المعلن عنها إلى أن الحصيلة المتوقعة مع مضي الاتفاق إلى غاياته النهائية سوف تؤرخ لعلاقات جديدة بين إيران والمجتمع الدولي.

لم يكن الهدف الرئيسي من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل دمج إيران إقليميا، بل كسر شوكتها، تغيير نظامها، وإرساء معادلة تبدو فيها طهران بطة عرجاء. ولأن النتائج لم تعكس ما أرادته واشنطن، قام الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستدارة في حساباته الإستراتيجية، قد تصب في مصلحة طهران بعد أن تعاملت مع مخاضات الحرب بما يخفف عنها عبء تقديم تنازلات، وربما تحقيق مكاسب نوعية.

الواضح أن آليات التعامل طرأت عليها تغيرات تتعزز مع صمود اتفاق الإطار وتحويله إلى اتفاق نهائي بين البلدين تمثل مغادرة مربع الاحتواء والعزل والانتقال إلى الدمج، قفزة في الأوضاع الإقليمية، تتوقف معالمها ولصالح من على طرق التعامل معها والنتيجة التي يمكن أن تصل إليها.

تعتقد واشنطن أن إخفاقها في تهشيم رأس إيران، يمكن تصحيحه من خلال أداة الدمج والتغيير من الداخل. طهران التي فوتت الفرص على السياسات السابقة في إخضاعها لرؤية واشنطن، تحاول التجاوب مع المؤشرات الأميركية الراهنة بشكل براغماتي، بما يساعدها على تحقيق أعلى استفادة ممكنة من سياسة الدمج الواعدة، ويجعلها رقما رئيسيا في منطقة الشرق الأوسط عبر الأدوات اللّينة.

إذاً المعركة سوف تنتقل من خانة التجاذبات والصدامات العسكرية إلى المساومات والمناورات السياسية، بافتراض أن اتفاق الإطار في جنيف يوم الجمعة سيصمد ويتحول إلى اتفاق نهائي ويتجاوز الاختبارات والمطبات الصعبة طوال الـ60 يوما.

في هذه الحالة (التجاوز)، يملك كل طرف ما يمكنه من الضغط على الآخر، فقد مرت عملية المفاوضات من خلال الوسيط الباكستاني ورفاقه في المنطقة بعراقيل عديدة، كادت أن تؤدي إلى العودة لسيناريو الحرب المفتوحة ويؤشر لجمها أكثر من مرة إلى أن اللعبة قابلة للانتقال من المواجهات العسكرية المتقطعة إلى الدبلوماسية.

سواء أكانت الدبلوماسية مرنة وناعمة أو خشنة وقاسية، فإن هذا الفضاء سيكون مريحا وأقل تكلفة لكل من الولايات المتحدة وإيران بعد تجربة الحرب المباشرة وفشلها في تحقيق الأهداف الإستراتيجية لواشنطن ونجاح طهران في توظيف ما تملكه من أوراق، مثل مضيق هرمز الذي غيّر مسار المواجهة، اقتنع الجانبان باللجوء إلى حسم المعركة عن طريق الأدوات السياسية، ما يعني العودة للوراء أكثر من عشرة أعوام.

من حيث لا يدري، عاد الرئيس ترامب إلى صيغة الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي وقّع على اتفاق 2015 مع إيران بعد مرحلة طويلة من المناوشات والمفاوضات، أفضت إلى اقتناعه أن المواجهة العسكرية لن تحقق غرضه في التطويق التام والتغيير الواسع، ووجد في التفاهم مدخلا مناسبا لإحداث تحولات جذرية من الداخل، عبر فتح المجال للتعاون الاقتصادي، واتباع أنماط السوق الحرة، ما يسمى بـ"ثقافة الهامبرغر"، وتسلل الحياة الاجتماعية والسياسية على النمط الغربي للمواطن الإيراني.

دعك من محاصرة البرنامج النووي وشروطه، ودعك من انتقادات الرئيس ترامب وتقزيمه اتفاق أوباما، وركز على الهدف الذي يريد الأول الوصول إليه بقبوله التوقيع على مذكرة التفاهم ومشتملاتها وما يمكن أن تقود إليه، والهدف الذي سعى إليه الثاني (أوباما) بعد جهود مضنية بذلتها طواقمه الدبلوماسية والنووية والاقتصادية.

النتيجة المشتركة هو فتح المجال لدمج إيران في المنطقة، باعتبار أن التسوية السياسية وتطبيع العلاقات وفتح كوة لثقافة السلام سوف تصبح قادرة على فتح كوة في الداخل الإيراني، وإحداث خلل في البنية الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم السياسية والأمنية.

بكلام آخر، ما لم يتحقق بالقوة قد يتحقق بالسياسة، فالهدف من السلام، ليس إعادة دمج إيران في المنطقة، بل دخولها عصر الحداثة الغربية، وما تنطوي عليه من تداعيات على مستويات مختلفة. كما أن تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة ونقلها من التصعيد إلى الهدوء، يستوجبان مراعاة توزانات يتطلبها هذا الاتجاه بمفهومه الشامل. أي تطبيع العلاقات مع حلفاء واشنطن في المنطقة، بما فيها دول الخليج العربي وإسرائيل.

ما ترمي إليه الإدارة الأميركية في عهد ترامب هو نفسه ما سعت إليه إدارة أوباما، ويتمحور في تحييد إيران ونقلها من معسكر الحرب والمقاومة والتمدد والهيمنة النووية إلى السلام والهدوء والتقوقع في الداخل بذريعة تقديم إغراءات اقتصادية واعدة، وتحسين المستوى المعيشي للإيرانيين المنهكين من الحروب، وتحاشي المحاسبة والنقمة والثورة الشعبية المحتملة عندما تضع الحرب أوزارها.

ما يسعى إليه ترامب، وما سعى إليه أوباما، لا يختلف في جوهره عما حققه الرئيس الأسبق جيمي كارتر مع مصر عندما أصر على توقيع اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل، وجد فيها كل طرف ما يرضي غروره ويشبع طموحه.

باختصار، مصر استردت أرضها المحتلة كاملة وتعاملت مع السلام كخيار إستراتيجي، بينما ضمنت إسرائيل خروج مصر (أكبر دولة عربية وأكثرها عدة عسكرية) من معادلة الحرب معها، على أمل تخفيف انخراطها في القضية الفلسطينية وضمنت الولايات المتحدة وجود قدر من الهدوء، يحافظ على مصالحها من بوابة السلام بدلا من الحرب.

ما حدث من القاهرة، كان شيئا مختلفا. حافظت على السلام مع إسرائيل، لم تبتعد عن القضية الفلسطينية وتوابعها العربية والإقليمية ولم تهمل قدراتها العسكرية وتحديث معداتها تكنولوجيا.

بقيت شبحا لا تطمئن له إسرائيل كلما لاحت الفرصة حرّضت على الشبح وعملت على التحذير من العواقب، إذا واصل تكتيل معداته وأسلحته في منطقة سيناء. قد يكون السلام بين القاهرة وتل أبيب حقق نسبيا بعضا من الأهداف المرجوة منه إقليميا، إلا أنه لم يُخرج مصر من المعادلة العسكرية.

الحال بالنسبة لإيران ربما يكون أشد صعوبة. مصر كانت أول تجربة تطبقها واشنطن في مسألة تحقيق الأهداف بالتسوية السياسية عندما تخفق الأدوات العسكرية، ومع ذلك لم تستلسم لإرادة الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما أن طهران تدرس التجارب جيدا وتستفيد من عواقبها. تدرك أن أي مكاسب اقتصادية وسياسية، تقف خلفها أهداف سرية. مع حالة انعدام الثقة في واشنطن سوف تعمل طهران على تجنب الدخول في مصير غامض، وقد تجعل من دمجها الإقليمي وسيلة للهيمنة بدلا من الخضوع.