اللا عقلانية في مقاربة عناوين الحدث السوري الأزمة الممتدة وعجز الجديد
تبدو المشهدية السورية اليوم وكأنها مسرح هائل يعج بالضجيج والحركة دون أن تُنتج معنى حقيقياً، فالعناوين التي تُرفع في سياق الحدث السوري غالباً ما تفتقر إلى المنطق السياسي، وتتسم بنوع من اللا عقلانية المقصودة أحياناً والعفوية أحياناً أخرى، لكنها في مجملها تُبقي الواقع السوري رهينة التباسات لا تُفضي إلى حلول، بل تُعمق الأزمة وتُفاقم الاحتقان، فالحديث عن جُملة الحلول السياسية يتكرر كشعار لا يحمل في طياته آليات واضحة، والحديث عن الانتقال الديمقراطي يُطرح في سياقات تفتقر إلى البنية المؤسسية والثقافة السياسية اللازمة، مما يجعل هذه العناوين مجرد أصوات تتصادم في فراغ، لا تترك أثراً سوى المزيد من التشويش على الرأي العام وإفراغ المفاهيم من مضامينها.
ولعلّ من أخطر ما يواجه المشهد السوري اليوم هو غياب هوية واضحة للمسارات السياسية المطروحة، إذ أن غالبية القوى الفاعلة على الأرض وكذا الفاعلة في الفضاء السياسي تبدو كأنها تتحرك بلا بوصلة، كلٌ يرفع شعاراً مختلفاً، وكلٌ يدعي تمثيل الشعب دون أن يمتلك برنامجاً سياسياً ملموساً يُمكن محاكمته أو قياس تأثيراته على أرض الواقع، وهكذا تبقى المسارات السياسية مجرد خطوط متعرجة على رمال متقلبة، لا تُشكل بديلاً حقيقياً للسوريين، ولا تمنحهم الأمل في غد مختلف.
في ظل هذا الفراغ، يبرز سلوك خطير يتمثل في تهميش وإقصاء كل صوت مختلف، حيث أصبحت ثقافة الإقصاء هي السائدة، فمن يُطالب بمنطق الدولة يُتهم بتبعيته للنظام السابق، ومن يُطالب بالتغيير الجذري يُتهم بالتطرف، ومن يحاول البحث عن حل وسط يُتهم بالتخاذل والانتهازية.
وهكذا يتم تضييق الخناق على الفضاء العام حتى يصبح مجرد ساحة للصراع، بينما يُهمش العقلاء ويُقصى أصحاب الرؤى البناءة، وهذا التهميش ليس مجرد ظاهرة عابرة، بقدر ما هو استراتيجية سياسية مقصودة تهدف إلى تدمير أي إمكانية لبناء توافق وطني، فالقوى المتنفذة، سواء كانت داخل النظام أو خارجه، تدرك جيداً أن وجود فضاء للاختلاف يعني وجود مساحة للمحاسبة والمساءلة، وهو ما تخشاه جميعها على السواء.
في خضم هذا الصراع على الهويات الفرعية والولاءات الضيقة، يتم تحييد الخطاب الوطني وإخراجه من دائرة التأثير السياسي، فلم يعد هناك مجال للحديث عن "سوريا" كوطن جامع يتسع لجميع أبنائه، بل أصبح الخطاب السياسي منقسماً بين خطاب طائفي يستدعي الماضي ليُبرر الحاضر، وخطاب إثني ينظر إلى الجغرافيا من منظور ضيق، وهكذا يتم تجريد المفهوم الوطني من محتواه، وتحويله إلى شعار فارغ دون أن يحمل في طياته أي مشروع حقيقي، ويُصبح الوطن في هذه الحالة، مجرد خريطة جغرافية بلا روح، ومجرد حدود إدارية بلا معنى، بينما يتم استبداله بمفاهيم أصغر وأضيق، تُشكل قاعدة للتعبئة ولكنها تفتقر إلى القدرة على البناء.
هنا يقف السوري أمام سؤال وجودي محيّر؛ ما معنى أن أكون سورياً في ظل هذا التشظي؟، وما هي الرؤية التي تجمعني بـ أبناء هذا الوطن؟، وما هو المشروع الذي يمنحني الهوية والانتماء في آنٍ معاً؟
بهذا المعنى فإن الرؤى السياسية الوطنية غائبة كلياً، أو بالأحرى، تم إجهاضها في مهدها، فالقوى السياسية باستثناءات نادرة، لم تُقدم مشروعاً وطنياً يتجاوز منطق المكاسب الفئوية، ولم تبنِ رؤية تستوعب التنوع السوري وتُحوله إلى ثروة بدلاً من أن تكون سبباً للصراع، والنتيجة هي أن السوري يشعر بالغربة داخل وطنه، ويشعر أن الانتماء إلى "سوريا" أصبح عبئاً ثقيلاً لا يحمل معنى إيجابياً، بل يحمل في طياته ذاكرة مؤلمة وحاضراً مبعثراً ومستقبلاً مجهولاً.
إن غياب الرؤية الوطنية لا يعني فقط غياب مشروع سياسي، بل يعني غياب القدرة على تخيل المستقبل، فالسوري اليوم لا يستطيع أن يتخيل سوريا بعد عشر سنوات، لا لأنه يفتقر إلى الخيال، بل لأن المشهد السياسي لا يُقدم له أي عناصر يمكن أن يبني عليها هذا التخيل، فالخطاب السياسي محصور إما في إعادة إنتاج الماضي أو في التمني العاطفي دون آليات.
ولا يوجد خطاب يتناول المستقبل بمنطق البناء والتخطيط، وهذا الغياب للرؤية يُنتج حالة من اليأس السياسي العميق، حيث يفقد المواطن ثقته بأي قوة سياسية، ويفقد إيمانه بإمكانية التغيير، ويصبح السؤال عن المعنى الوطني سؤالاً محبطاً لا يجد إجابة مُرضية.
ختاماً، لا بد من التوقف عند مقولة للمفكر السياسي الإيطالي أنطونيو غرامشي التي تعكس بدقة إشكاليات الواقع السياسي السوري "الأزمة تتكون تماماً عندما يُدمر القديم ولا يمكن للجديد أن يولد، وفي هذه الفترة الانتقالية تظهر أعراض المرض المتنوعة"، فسوريا اليوم تعيش هذه اللحظة الانتقالية المُمتدة، حيث تم تدمير القديم بشكل جزئي دون أن يُولد بديل حقيقي.
وتظهر الأعراض في شكل صراعات هوياتية وغياب رؤى وطنية وتهميش للعقلانية السياسية، وهكذا تبقى الأزمة ممتدة حتى يتمكن السوريون، أو من يدّعون تمثيلهم، من تجاوز منطق التدمير إلى منطق البناء، ومن التشظي إلى التوحيد، ومن الغياب إلى الحضور.