حين لعبت السياسة كرة القدم: قرن من تسييس كأس العالم

كأس العالم تحمل في سجلاتها حكايات تثبت أن الرياضة، رغم كل المحاولات لفصلها عن السياسة، تبقى مرآة صادقة لما يجري في العالم من توترات وتحالفات وانقسامات.

تُحاول بطولة كأس العالم منذ تأسيسها، وتحت رعاية الاتحاد الدولي لكرة القدم، تقديم نفسها كحدث رياضي محايد، يجمع الشعوب تحت سقف اللعبة الجميلة بعيداً عن الخلافات والحدود، غير أن التاريخ يكشف عكس ذلك تماماً، فالملعب الأخضر لم يكن يوماً بمنأى عن صراعات الساسة وحساباتهم. فمن مقاطعات احتجاجية أطاحت بأبطال العالم عن الدفاع عن لقبهم، إلى عقوبات دولية حرمت دولاً بأكملها من المشاركة، وصولاً إلى مباراة لُعبت في مرمى خالٍ تماماً لأسباب لا تتعلق بكرة القدم في شيء، تحمل كأس العالم في سجلاتها حكايات تثبت أن الرياضة، رغم كل المحاولات لفصلها عن السياسة، تبقى مرآة صادقة لما يجري في العالم من توترات وتحالفات وانقسامات.

1934: غياب البطل

قررت الأوروغواي، بطلة العالم في النسخة الأولى، الغياب عن نسخة 1934 رداً على غياب المنتخبات الأوروبية عن النسخة السابقة، لتكون الدولة الوحيدة التي لم تدافع عن لقبها حتى اليوم.

ففي النسخة الأولى من كأس العالم عام 1930، رفضت الفرق الأوروبية السفر إلى أميركا الجنوبية للمشاركة في كأس العالم في الأوروغواي، مبررة ذلك بالأزمة الاقتصادية ومشقة السفر عبر الأطلسي، ولكن كان خلف الأكمة ما وراءها.

قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم منح الأوروغواي شرف استضافة المونديال احتفالاً بمئوية استقلالها أولاً، وفوزها بالأولمبياد (1924 و1928) ثانياً، مما أغضب دولاً أوروبية كبرى مثل إيطاليا وإسبانيا وهولندا والسويد كانت قد تقدمت بملفات لاستضافة البطولة، فقررت المقاطعة كرد فعل على عدم اختيار القارة العجوز.

1938: حضور موسوليني وغياب إسبانيا

في ظل التوترات السياسية في القارة العجوز، وشبح الحرب الذي يخيم عليها، ألزم موسوليني لاعبيه تنفيذ التحية الفاشية على الأراضي الفرنسية، كما اختار اللعب بالطقم الأسود الكامل في مباراة ربع النهائي أمام الديوك، باعتباره الشعار الرسمي للميليشيات العسكرية التابعة للحزب الفاشي الإيطالي.

شهدت هذه النسخة أيضاً غياب إسبانيا بسبب الحرب الأهلية فيها، وانسحاب المنتخب النمساوي الذي تأهل من التصفيات، بسبب احتلال الحزب النازي بقيادة أدولف هتلر للنمسا، ما اضطر بعض اللاعبين النمساويين إلى ارتداء قميص المنتخب الألماني، في حين رفض آخرون اللعب تحت اسم المُحتل.

فضلاً عن ذلك، قاطعت الأرجنتين كأس العالم احتجاجاً على إقامة البطولة في أوروبا للمرة الثانية على التوالي.

1950: عقاب ما بعد الحرب

توقفت البطولة 12 عاماً جرّاء الحرب العالمية الثانية، ثم عادت عام 1950 في البرازيل، وشهدت غياب ألمانيا واليابان بسبب العقوبات الدولية المفروضة عليهما من المجتمع الدولي، وكذلك قرار الاتحاد الدولي منع مشاركتهما كنتيجة سياسية مباشرة للحرب.

كما غابت الهند عن هذه النسخة، وتعدّ قصة انسحاب المنتخب الهندي إحدى أشهر أساطير الرياضة، حيث شاع لعقود أن السبب هو رفض الفيفا السماح للاعبين باللعب حفاة الأقدام، لكن هذه الرواية غير دقيقة. يعود غياب الهند الفعلي إلى أسباب إدارية ومالية، حيث لم يكن الاتحاد الهندي لكرة القدم على استعداد لتحمل تكاليف السفر الباهظة والرحلة الشاقة إلى البرازيل، باعتبار كأس العالم لكرة القدم مسابقة ثانوية مقارنة بالأولمبياد بالنسبة للحكومة الهندية.

1966: غياب إفريقي كامل

نصّ نظام توزيع المقاعد الذي اعتمده الاتحاد الدولي لكرة القدم على إلزام المنتخبات الإفريقية والآسيوية بخوض تصفيات مشتركة أو مباريات فاصلة ضد منتخبات أوروبية للتأهل إلى النهائيات. وفي مونديال 1966، خُصصت عشرة مقاعد لأوروبا، وأربعة لأميركا الجنوبية، ومقعد واحد لأميركا الشمالية والوسطى والكاريبي، فيما خُصص المقعد المتبقي للتنافس بين منتخبات إفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا، مما أثار اعتراضات واسعة داخل الأوساط الرياضية الإفريقية، التي اعتبرته انتقاصاً من مكانة القارة في ضوء تطورها الكروي.

تفاقم التوتر بسبب قضية جنوب إفريقيا، التي استبعدها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم من عضويته عام 1958 بسبب نظام الفصل العنصري، لكن الاتحاد الدولي أعاد قبولها عام 1963، وأدرجها في مسار التصفيات الآسيوية بدلاً من التصفيات الإفريقية.

على إثر ذلك، أعلن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم رفضه لنظام التأهل الذي أقره الاتحاد الدولي، وطالب بتخصيص مقعد مباشر للقارة السمراء في نهائيات كأس العالم، لكن تجاهل الاتحاد الدولي لهذه المطالب دفع الاتحادات الوطنية الإفريقية الأعضاء إلى الانسحاب جماعياً من تصفيات كأس العالم 1966.

1974: المباراة الشبح

هذه القصة من التصفيات أيضاً، وتعد من أغرب الحكايات التي مرّت على تاريخ كأس العالم.

شهدت تشيلي انقلاباً عسكرياً عام 1973 بدعم من الولايات المتحدة في إطار الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وبقيادة الجنرال أوغوستو بينوشيه على الرئيس المدني سلفادور أليندي.

وشهد ملعب "سانتيغو الوطني" انتهاكات واسعة ضد المعارضين، من عمليات احتجاز وتعذيب معتقلين سياسيين قبل أسابيع من المباراة، مما دفع الروس إلى رفض خوض المباراة احتجاجاً على هذه الأحداث. ونتيجة لذلك، خرج لاعبو تشيلي إلى الملعب وحدهم، وسجّل قائدهم فرانسيسكو فالديز (تشاماكو) هدفاً في مرمى خالٍ قبل أن تُلغى المباراة رسمياً، معلنة تأهل تشيلي بهذا "الفوز" الفارغ من أي منافسة.

1978: الأرجنتين تحت حكم العسكر

أُقيمت البطولة في الأرجنتين في ظل حكم عسكري دكتاتوري، وفازت بها الأرجنتين نفسها، في سيناريو وصفه بعض المؤرخين الرياضيين بأنه استفاد منه النظام الحاكم بشكل مباشر، بطريقة شبيهة بما جرى في إيطاليا 1938.

احتاجت الأرجنتين إلى الفوز على بيرو بفارق 4 أهداف للتأهل، لكنها فازت بنتيجة ساحقة 6-0، حيث حامت الشكوك حول دفع رشوة لحارس البيرو رامون كيروغا، المولود في روساريو الأرجنتينية، لكنه نفى ذلك نفياً قاطعاً، فيما أكد آخرون أن لاعبي بيرو تعرضوا لتهديدات بالقتل، وادعى موظف مدني أرجنتيني أن بيرو حصلت على شحنات حبوب كجزء من صفقة مع نظام فيديلا مقابل الخسارة.

1994: يوغوسلافيا والعقوبات الدولية

أصدرت الأمم المتحدة عدة قرارات فرضت بموجبها عقوبات عديدة على يوغوسلافيا إبان حروب الاستقلال والصراعات العرقية التي شهدتها يوغسلافيا ابتداءً من 1991.

ونتيجة لذلك، منع الاتحاد الدولي لكرة القدم يوغسلافيا من المشاركة في البطولات القارية والدولية، في استبعاد قسري فرضته السياسة الدولية مباشرة على الرياضة.

2022: عصر جديد من التسييس

استبعد الفيفا روسيا من المنافسات الدولية، بما فيها تصفيات كأس العالم 2022 في قطر، بعد غزوها لأوكرانيا. وفي المقابل، شهدت بطولة قطر نفسها مقاطعات دبلوماسية من عدة حكومات، من بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، حيث تغيّب المسؤولون عن حضور المباريات لأسباب متعلقة بحقوق الإنسان دون أن يمتد ذلك إلى منع الفرق الوطنية من اللعب، كما شهدت هذه البطولة بعض الممارسات من اللاعبين، ومن منا لا يتذكر ما فعله لاعبو المنتخب الألماني في مباراتهم الأولى!

2026: أميركا السبّاقة

يكشف تقرير نشرته صحيفة "بوليتيكو" مطلع عام 2026 عن وجه أكثر تعقيداً للتدخل السياسي في الرياضة، حيث وزّعت وزارة الخارجية الأميركية على موظفيها وثيقة داخلية من تسع صفحات بعنوان "كتيّب الدبلوماسية الرياضية/Sports Diplomacy Playbook"، تضع إطاراً عاماً لكيفية استثمار فعاليات ضخمة كالمونديال والأولمبياد في خدمة أهداف القوة الناعمة وجذب الاستثمار الخارجي، إلى جانب أولويات اجتماعية داخلية تتبناها إدارة الرئيس دونالد ترامب.

يتضح من الوثيقة أن الوزارة تجد نفسها أمام معضلة دقيقة، من حيث التوفيق بين الرغبة في استضافة مونديال ناجح يستقبل ضيوفاً من مختلف دول العالم، وبين سياسات الهجرة الصارمة التي تطبقها الإدارة الحالية وتشمل حظر سفر يطال أربع دول تأهلت للبطولة فعلياً.

ولا تقف أهداف الوثيقة عند حدود التنظيم اللوجستي، فهي تتحدث بوضوح عن استخدام هذا "العقد الرياضي" الممتد حتى 2034 لتثبيت الزعامة الأميركية في الهيئات الرياضية الدولية، بما يحول دون تمكّن قوى مثل الصين وروسيا من قيادة هذه المنظمات أو استغلال الفعاليات الكبرى لأغراض دعائية.

وهكذا، تتجاوز الدبلوماسية الرياضية في نسختها الأمريكية الحالية فكرة الترحيب بالضيوف، لتصبح أداة منافسة جيوسياسية مباشرة تُدار من داخل أحد أكثر فعاليات العالم شعبية.

من أوروغواي 1934 إلى أميركا 2026، لم يكن الملعب الأخضر مستطيلاً من العشب، وحلبة يتنافس فيها 22 لاعباً، وإنما ساحة تتقاطع فيها حسابات الدول الكبرى مع أحلام اللاعبين وجماهيرهم. ويكشف هذا التاريخ الطويل تطوراً نمطياً للتدخل السياسي في الرياضة، فبينما كان ظرفياً وعلنياً في مرحلة ما، يتحول اليوم إلى تخطيط استراتيجي ممنهج، يصاغ في كتيّبات داخلية ويُدار من مكاتب رسمية قبل أن تنطلق صافرة أول مباراة.

وربما يكون هذا هو الفارق الحقيقي بين بدايات كأس العالم، وحالته الراهنة، فالأول تسللت إليه السياسة من الخارج، بفعل أزمة أو حرب أو انقلاب. أما الثاني، فتبدو الرياضة فيه جزءاً أصيلاً من معادلة القوة الناعمة والتنافس الجيوسياسي، إلى درجة أن التخطيط لها أصبح بنداً ثابتاً في أجندة الدبلوماسية الدولية، مما يضع جميع عشاق المستديرة إلى طرح تساؤل مشروع: هل خسرت كرة القدم آخر مساحاتها المحايدة؟ أم أن هذا التسييس الفجّ أصدق من إنكار طويل لم يصدّقه أحد؟

المنتخب الإيطالي 1938
المنتخب الإيطالي 1938
فرانسيسكو تشامكو يسجل هدف تشيلي في المرمى الفارغ
فرانسيسكو تشامكو يسجل هدف تشيلي في المرمى الفارغ