معركة دستورية تلوح في الأفق حول الولاية الثالثة في موريتانيا

شخصيات سياسية وأحزاب موالية للسلطة تطالب بفتح الباب أمام الرئيس ولد الغزواني لتولي ولاية ثالثة.

نواكشوط – أعادت الدعوات المطالبة بتعديل الدستور الموريتاني لتمكين الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني من الترشح لولاية رئاسية ثالثة فتح نقاش سياسي ودستوري واسع في البلاد، وسط تباين واضح بين مؤيدي الخطوة الذين يرون فيها ضمانة لاستمرار الاستقرار والتنمية، ومعارضين يعتبرونها مساساً بأحد أهم الضوابط الدستورية التي تحكم تداول السلطة.

وبدأ النقاش يحتدم بعد أن طالبت شخصيات سياسية وأحزاب موالية للسلطة بفتح الباب أمام الرئيس لتولي ولاية ثالثة، حيث دعته رئيسة حزب "حوار" فاله بنت ميني إلى الترشح، معتبرة أن ما تحقق خلال السنوات الأخيرة في مجالات الاستقرار والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية يبرر استمرار النهج الحالي في قيادة البلاد.

واتهمت بنت ميني، في مؤتمر صحافي نهاية الأسبوع الماضي، من وصفتهم بـ"السياسيين المكابرين" بمحاولة التغطية على ما قالت إنها إنجازات أعادت الأمل للموريتانيين، مؤكدة أن الدستور يستمد شرعيته من إرادة الشعب، ومن حق المواطنين تعديله متى رأوا ضرورة لذلك، مؤكدة أن الرئيس الغزواني يحظى بأغلبية برلمانية مريحة تتيح تمرير أي إصلاحات دستورية تحظى بإجماع أو توافق شعبي.

وينص الدستور الموريتاني على تحديد مدة الرئاسة بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، وهو ما يجعل أي محاولة لتمكين الرئيس الحالي من خوض انتخابات جديدة بعد انتهاء ولايته الثانية مرتبطة بإجراء تعديل دستوري يغيّر النصوص المنظمة للولايات الرئاسية. وتكتسب هذه المسألة حساسية خاصة في بلد شهد خلال العقود الماضية تحولات سياسية عديدة، كان من أبرز أهدافها ترسيخ مبدأ التناوب السلمي على السلطة ومنع احتكار الحكم.
ولقيت الدعوات لترشح الرئيس الموريتاني لولاية ثالثة جدلا واسعا وتباين في وجهات النظر.

ويستند أنصار تعديل الدستور إلى أن استمرار القيادة الحالية قد يساهم في استكمال المشاريع الاقتصادية والإصلاحات الإدارية وتعزيز الاستقرار الأمني في منطقة الساحل التي تواجه تحديات متزايدة. كما يرون أن الاحتكام إلى الآليات الدستورية والقانونية لإقرار أي تعديل يمنح الخطوة شرعية سياسية إذا حظيت بتوافق شعبي ومؤسساتي.

في المقابل، تنظر المعارضة إلى هذه الدعوات باعتبارها تهديداً للتداول السلمي على السلطة وضرباً للضمانات الدستورية، فقد أعلن رئيس القطب السياسي للمعارضة الديمقراطية في موريتانيا، محمد ولد مولود، رفضه إدراج أي نقاش يتعلق بولاية ثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، مؤكداً أن هذا الموضوع خارج إطار التوافق السياسي المطلوب، مشدداً على ضرورة تركيز النقاش على القضايا الوطنية والإصلاحات السياسية والاقتصادية التي تهم المواطنين.

وتحذر قوى المعارضة من أن فتح باب تعديل المواد المتعلقة بالولايات الرئاسية قد يشكل سابقة سياسية تضعف الثقة في الضمانات الدستورية الخاصة بتداول السلطة، وتعيد الجدل الذي شهدته دول إفريقية عدة حول تمديد بقاء الرؤساء في الحكم عبر تعديلات دستورية.
وترى هذه القوى أن الحفاظ على سقف الولايات المحدد دستورياً يمثل ركناً أساسياً في بناء المؤسسات الديمقراطية وتعزيز الاستقرار السياسي على المدى الطويل.

من جهته، أكد حزب تجديد الحركة الديمقراطية "تحدي" رفضه "المطلق وغير المشروط" لأي دعوات أو مبادرات تستهدف تمكين الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني من الترشح لولاية رئاسية ثالثة، معتبراً أن تلك الدعوات تمثل انتهاكاً للدستور ومساساً بمبدأ التداول السلمي على السلطة.

وقال الحزب في بيان، إنه يتابع "ببالغ القلق والاستنكار تصاعد أصوات داخل بعض أوساط الموالاة تدعو إلى ولاية ثالثة للرئيس"، مؤكداً أن الدستور يمثل عقداً وطنياً ملزماً لا يجوز تعديله أو الالتفاف عليه لخدمة مصالح سياسية أو شخصية.

وشدد على أن الدعوة إلى ولاية ثالثة تشكل تهديداً للاستقرار السياسي والمؤسسي، وتقويضاً لأسس النظام الديمقراطي، محذراً مما قد تسببه من احتقان سياسي واستقطاب مجتمعي وإضعاف للثقة في المؤسسات الدستورية.

وتبقى إمكانية تعديل الدستور مرتبطة بجملة من العوامل، أبرزها حجم التأييد داخل الأغلبية الحاكمة، وموقف المؤسسات الدستورية، وقدرة السلطة على بناء توافق سياسي واسع حول أي تغيير محتمل. كما أن ردود الفعل الشعبية والحزبية ستكون عاملاً حاسماً في تحديد مدى قابلية هذه المبادرات للتحول إلى مشروع سياسي فعلي.

ولا يتعلق الجدل الدائر حول الولاية الثالثة بشخص الرئيس فحسب، بل يطرح تساؤلات أعمق حول مستقبل النظام السياسي الموريتاني وحدود السلطة التنفيذية وآليات ضمان التداول السلمي للحكم، وهي قضايا ستظل في صلب النقاش الوطني خلال المرحلة المقبلة.