ما بعد التفاهم الأميركي الإيراني: أين سيكون الحوثيون
الحرب بين أميركا وإيران وضعت أوزارها -على ما يبدو- وأفسحت المجال للمفاوضات بين الأطراف المتحاربة، وتم توقيع مذكرة تفاهم بين الطرفين، ودخل لاعبون جدد على خط الأزمة، فقد لعبت قطر دوراً محورياً في هذا الاتفاق بشكل مباشر، بينما لعبت دول مثل السعودية وتركيا ومصر والإمارات أدواراً مهمة بشكل غير مباشر.
وحضر حزب الله بشكل لافت في الاتفاق، إذ أُدرج ضمن التفاهمات بعد أن كادت طهران تنزلق إلى مربع الحرب الكبرى، وهو ما سعت إلى تجنبه. كما توقفت إسرائيل عن مهاجمة لبنان، وشمل وقف إطلاق النار إيران أولاً ثم لبنان ثانياً.
وفي المقابل، برز لاعب آخر دخل على خط الأزمة مهاجماً الكيان الإسرائيلي بالصواريخ، وهي جماعة الحوثي التي أعلنت دخولها الحرب نصرة لإيران وإخوانها في حزب الله، كما تقول. وهددت بشكل مباشر بإمكانية استخدام مضيق باب المندب كورقة ضغط لصالح إيران، إضافة إلى مضيق هرمز.
لكن اللافت في الأمر أن الجماعة غابت عن التفاهمات الجارية، ولم تُذكر -كما يقال- لا طرفاً ولا وسطاً، وهو ما يفتح أبواباً للتساؤلات حول سيناريوهات ما بعد تثبيت الاتفاق. وهل ستهاجم إسرائيل جماعة الحوثي؟ وفي حال تجرأت على ذلك، فأين سيكون الموقف الإيراني؟ وهل سيكون له ذات الموقف الذي اتخذته تجاه حزب الله اللبناني؟
والمتابع لما حدث قبل توقيع مذكرة التفاهم وأثناءها يدرك أن ترامب استخدم مع نتنياهو سياسة "ليّ الأذن"، وقد ظهر ذلك جلياً في عدة تصريحات أدلى بها ترامب بخصوص إسرائيل ونتنياهو، لدرجة وصفه له بـ"ناكر الجميل". وهو ما يجعل إسرائيل تعيش حالة من الحذر لم يسبق لها أن عاشتها من قبل، وهي تعلم أن جماعة الحوثي واحدة من الأذرع الإيرانية التي وقفت إلى جانب طهران.
وفي نظر بعض المراقبين، فإن إسرائيل قد ترد على الهجمات الحوثية من خلال ضربات محدودة تستهدف قيادات حوثية، على غرار ما حدث في لبنان منذ وقف إطلاق النار في شهر مارس الماضي. وهنا يتكرر السؤال: ما موقف طهران إذا تجرأت إسرائيل على ذلك؟ وهل ستغامر بنسف الاتفاق مع واشنطن، وتخاطر بعودة العقوبات والصدام المباشر؟ أم أنها ستمارس النهج ذاته الذي اتبعته خلال السنوات الماضية من خلال الدعم اللوجستي والاستخباراتي الصامت واللهجة الدبلوماسية؟ وهذا ما يبدو أكثر ترجيحاً، خاصة أن إيران بذلت جهوداً كبيرة وقدمت العديد من التنازلات، أبرزها التخلي عن امتلاك السلاح النووي مقابل هذا الاتفاق.
إن دخول جماعة الحوثي الحرب تضامناً مع طهران وحزب الله لم يكن ذا بعد طائفي وعاطفي فحسب، بل كان أيضاً محاولة من الجماعة لفرض نفسها كلاعب إقليمي يمتلك القدرة على التأثير في قواعد اللعبة وإحداث توازنات جديدة في المنطقة. وبسبب الأثر الذي أحدثه إغلاق إيران لمضيق هرمز، فمن المرجح أن تستثمر الجماعة هذه الورقة في حال تعرضت لهجمات مضادة من الجانب الإسرائيلي.
ومعروف عن الجماعة أنها لا تفكر كثيراً في عواقب تصرفاتها، ولا يهمها حجم الآثار التي قد تحدثها على اليمن واستقراره واقتصاده، فتهديد الملاحة الدولية قد يتسبب في تشكيل تحالف دولي لحماية المياه الإقليمية والدولية، وقد تمتد آثار ذلك لتنال من اليمن أرضاً وإنساناً.
ويبقى موقع جماعة الحوثي واحداً من التفاصيل التي قد يحضر فيها الشيطان، فهو -كما يقال- يكمن في التفاصيل. وقد يستغل نتنياهو هذا الأمر لصالحه في مهاجمة الجماعة تحت ذريعة حق الردع والدفاع عن النفس، ومحاولة إنهاء أو عرقلة هذا الاتفاق الذي يراه متعارضاً مع مصلحته الخاصة ومصلحة كيانه.
ونحن اليوم نقف أمام مشهد معقد، فهذا الاتفاق وإن بدا في ظاهره محاولة جادة لإنهاء الحرب، إلا أنه يحمل في مضمونه الكثير من الفجوات التي ستفصح عنها الأيام القادمة. كما أن فترة الستين يوماً المقبلة ستعمل إما على ردم هذه الفجوات واحتوائها، أو كشف حجم التباينات الكامنة خلفها. وستجيب الأيام القادمة أيضاً عن سؤال موقع جماعة الحوثي في هذه المعادلة، وكيف سيكون موقف إيران، ومن خلفها حزب الله اللبناني، في حال تعرضت الجماعة لهجمات إسرائيلية.