للتاريخ.. قراءة في تجربة مسرور بارزاني

مسرور بارزاني أثبت من خلال إدارته للحكومة في واحدة من أصعب الفترات السياسية والاقتصادية، امتلاكه لرؤية إدارية واضحة، ونجح في تقديم نموذج يفضل أن تتحدث فيه لغة الإنجاز والمشاريع عن نفسها.

منذ ما يقرب من عشرين عاماً، وأنا أتنقل بين أروقة السياسة في العراق وإقليم كردستان، أراقب عن قرب صعود القادة وتحولات المشهد السياسي، وأستمع إلى الوعود الكبيرة التي كثيراً ما كانت تصطدم بالواقع عند أول اختبار حقيقي. حضرت اجتماعات مصيرية، وغطيت أزمات كبرى، وشهدت لحظات توافق وأخرى كانت البلاد فيها تقف على حافة الانقسام.

وخلال هذه الرحلة الطويلة في العمل الإعلامي، تعلمت أن المحك الحقيقي للعمل السياسي ليس في الشعارات والخطابات أمام الكاميرات، بل في القرارات والخطوات العملية عندما تثقل المسؤولية وتتداخل التحديات، فالأداء السياسي لا يُقاس في أوقات الاستقرار والرخاء، وإنما في المراحل التي تتزاحم فيها الأزمات وتتطلب رؤية وقدرة على الموازنة وصناعة الفارق.

ومن بين الشخصيات السياسية التي تابعتها منذ عام 2006، تبرز تجربة مسرور بارزاني كواحدة من التجارب التي تستحق القراءة والتأمل. والسبب في ذلك لا يعود لمجرد وصوله إلى موقع المسؤولية، بل لارتباط هذه التجربة بظروف استثنائية واختبارات معقدة واجهها منذ تسلمه رئاسة حكومة إقليم كردستان في منتصف عام 2019.

تحديات مركبة وظروف استثنائية

كان المشهد السياسي والاقتصادي إبان تسلمه السلطة معقداً للغاية؛ فالملفات العالقة بين أربيل وبغداد تعود إلى عقود مضت، وتراكمت بعد عام 2003 وتعمقت بعد إقرار الدستور عام 2005. ولم تكن القضية تقتصر على الخلافات القانونية والمالية مع الحكومة الاتحادية فحسب، بل تزامنت مع أزمة مالية خانقة، وضغوط اقتصادية متزايدة، وتحديات إقليمية متسارعة. وفي خضم هذه الأوضاع، تفشت جائحة كورونا التي شلت حركة الاقتصاد العالمي وأربكت أقوى الدول، مما ضاعف من حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الإقليم.

في تلك المرحلة، اتجهت الأنظار صوب مسرور بارزاني، حيث تباينت القراءات بين مؤيد يترقب تنفيذ الوعود الإصلاحية، وخصم سياسي يبحث عن مكامن الضعف والتعثر. وكان واضحاً أن نجاح هذه التجربة سيمثل امتداداً لمسيرة العمل السياسي التاريخي لعائلة بارزاني، ولا سيما مسيرة الملا مصطفى بارزاني وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، اللذين ارتبط اسماهما بمراحل النضال الكردي؛ وفي الوقت نفسه، كان النجاح يعني صياغة معادلة سياسية وإدارية جديدة تتماشى مع متطلبات الدولة الحديثة.

ومنذ الأيام الأولى، بدا أن التوجه العام للحكومة يركز على الانتقال من النمط التقليدي القائم على إدارة الأزمات اليومية وتأجيل الحلول، إلى تبني منهجية تسعى لمعالجة جذور المشكلات المزمنة. ورغم صعوبة هذا الخيار وكلفته السياسية، إلا أنه كان ضرورياً لمواجهة التحديات التراكمية بدلاً من التعايش معها.

ملفات حيوية وإنجازات ملموسة

في الوقت الذي كانت فيه حكومات العالم تنشغل بمواجهة التداعيات الصحية لجائحة كورونا، كان على حكومة الإقليم التعامل مع ملفين معقدين في آن واحد: الأزمة الصحية الطارئة، والأزمة الاقتصادية والمالية المرتبطة بقطع حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية. ومع ذلك، لم تمنع هذه الضغوط من استمرار البحث عن مخارج واقعية مع بغداد تحفظ حقوق الإقليم الدستورية وتؤسس لعلاقة أكثر استقراراً وتوازناً مع الحكومة الاتحادية.

ولم تقتصر التحديات على الجوانب الإدارية والمالية، بل شملت مواجهات سياسية وإعلامية من قوى متعددة حاولت التشكيك في قدرة الحكومة على الصمود وتحقيق الوعود، إلا أن محك النجاح في العمل العام يرتبط دائماً بالنتائج على الأرض، وربما تكون الملفات الخدمية الحيوية هي الشاهد الأبرز على هذا التحول.

قطاع الكهرباء: يمثل هذا الملف معضلة مزمنة في العراق بأكمله منذ عام 2003 رغم إنفاق مليارات الدولارات. وفي إقليم كردستان، جرى التعامل مع هذه الأزمة من خلال مشاريع استراتيجية مثل مشروع "روناكي"، الذي نقل الخدمة في العديد من المناطق إلى مستويات مستقرة ومستمرة، مع العمل المستمر لتوسيع الشبكة لتشمل باقي أنحاء الإقليم.

الأمن المائي ومواجهة الجفاف: يواجه العراق أزمة جفاف غير مسبوقة وانخفاضاً مقلقاً في مناسيب المياه. وفي حين ركزت العديد من الجهات على إلقاء اللوم على العوامل الإقليمية والتغير المناخي، اتجهت حكومة الإقليم نحو حلول عملية شملت بناء السدود، والبحيرات الاصطناعية، ومشاريع حصاد المياه. ومن أبرز الشواهد في هذا السياق، مشروع مياه طوارئ أربيل الذي ساهم في تقليل الاعتماد التاريخي على مياه الآبار وتوفير حلول مستدامة لشبكة المياه في العاصمة.

التحول الرقمي والإصلاح الإداري: حظي قطاع الإدارة والمالية بخطوات ملموسة نحو التحديث، لعل أبرزها مشروع 'حسابي' الذي نجح في إدراج نحو مليون مواطن وموظف ضمن النظام المصرفي الحديث. هذا المشروع يمثل ركيزة أساسية لتعزيز الشفافية، والحد من البيروقراطية والروتين الإداري، وتهيئة بيئة اقتصادية جاذبة للاستثمار.

من إدارة الأزمات إلى بناء الحلول

إن القراءة المنصفة لتطورات الأحداث تشير إلى أن الإقليم -الذي عانى لعقود من الحروب، والحصار، والصراعات السياسية، ثم خاض حرباً شرسة ضد تنظيم داعش واستقبل أكثر من مليون نازح ولاجئ- نجح في الانتقال التدريجي من عقلية تلقي الصدمات إلى عقلية بناء الحلول المستدامة.

وإذا ما استذكرنا المشهد قبل سنوات قليلة، حيث كانت أزمات الرواتب، والانقطاعات الطويلة للكهرباء، ومخاوف الجفاف تشكل هاجساً يومياً للمواطن؛ نجد أن الصورة تشهد تغيراً تدريجياً وملموساً. قد لا تكون جميع المشكلات قد انتهت بشكل كامل، فالإرث ثقيل والتحديات الإقليمية والداخلية ما زالت قائمة، لكن الفارق في الآليات والتوجهات أصبح واضحاً للمراقبين بإنصاف وموضوعية.

المسؤولية والأمانة المهنية

وبعد نحو عقدين من العمل الإعلامي ومراقبة الشأن العراقي والكردستاني، تقتضي الأمانة المهنية كتابة الواقع كما هو، بعيداً عن المبالغات أو الخصومات السياسية الضيقة، فالنجاح في الإدارة والسياسة لا يُقاس بحجم الضجيج الإعلامي أو السجالات السياسية اليومية، بل بالأثر الفعلي والمشاريع المستدامة التي تنعكس على حياة المواطنين وتوفر لهم الاستقرار والخدمات الأساسية.

وقد تتباين الآراء والمواقف السياسية تجاه أي تجربة حكم، وهذا أمر طبيعي في البيئات السياسية المعقدة، لكن الحقائق على الأرض -من طرق حديثة، وسدود، ومشاريع طاقة، وأنظمة رقمية ومصرفية متطورة- تظل هي المعيار الأساسي للتقييم. لقد أثبت مسرور بارزاني، من خلال إدارته للحكومة في واحدة من أصعب الفترات السياسية والاقتصادية، امتلاكه لرؤية إدارية واضحة، ونجح في تقديم نموذج يفضل أن تتحدث فيه لغة الإنجاز والمشاريع عن نفسها.